ثقافة

معبد اله العاصفة في قلعة حلب
إعادة تأهيل وإعمار دقيق بنظرة الى الخلف هو مستحيل، وفقا للخبراء، الذين يحثون علماء الآثار على التعلم من الدرس

عندما طلب عالم الآثار الألماني الكبير كاي كوهلميير بإجراء تصوير ثلاثي الأبعاد لهيكل إله العاصفة في قلعة حلب عام 2009، والذي قضى نحو عشرة أعوام بالكشف عنه، لم يكن يتوقع يوما أن يتحوّل هذا المعبد الى ساحة قتال.

حتى بعد أن وصل الربيع العربي الى مصر عام 2011، لم يكن بمستطاع كوهلماير وزملائه أن يتوقعوا أن الحرب للإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد ستعرّض الميراث الثقافي السوري لخطر الدمار.

التصوير ثلاثي الأبعاد لآثار العصر البرونزي في المعبد، التي تصوّر مجموعة من المشاهد الدينية، تبقى أمثلة معدودة لتحف كاملة مصوّر بتقنية ثلاثية الأبعاد بشل كامل ولائق والتي كانت تسمح بالحفاظ عليها قبل أن يحجب القتال أي قدرة بالوصول الى الآثار والكنوز التاريخية السورية.

Polina Garaev/i24news

كوهلماير هو أستاذ محاضر في جامعة برلين للعلوم التطبيقية (HTW) يقدّر أن نحو 120-130 مبادرة أجنبية إضافة الى سلطة الآثار السورية ذاتها تعمل الآن في محاولة لحماية هذه المواقع الأثرية بما فيها قلعة حلب الموجودة مباشرة على الحد بين المناطق التي يسيطر عليها المتمردون والمناطق التابعة للنظام - لكن امكانياتهم محدودة جدا.

"أنا معجب بأعمالهم، ولكن ما يسعهم أن يفعلوه"؟ تساءل كوهلماير خلال حديثه لـI24NEWS مؤكدا "يقومون بالتوثيق، أحيانا يضعون أكياس رملية لحماية المواقع المهمة، ولكن حينها يأتي الجنود ويأخذونها لحماية أنفسهم، ما يعرّض الآثار والتحف للخطر ويتركها غير محمية.

المبادرات الخارجية تركز على حوسبة وترقيم قاعدات البيانات القائمة، تدريب طواقم من المؤسسات السورية الثقافية التي تعاني الأمرين، ووضع خطط لليوم التالي، أي ما بعد العاصفة وانتهاء القتال، حينها يمكن البدء بالعمل الجديّ.

حتى ذاك الوقت لم يكن جهاديو الدولة الإسلامية بعد قد دمروا أي من المواقع الأثرية الدينية القديمة التي واجهوها، ولكن عندما حاول أصحاب المجموعات الخاصة الأثرياء اقتناء التحف المنهوبة، بات الميراث الثقافي السوري بخطر حقيقي من الدمار والاندثار بحسب كوهلماير.

i24news

بعض المسؤولين في مجال تصوير الآثار الافتراضي، يؤمنون أن التصوير ثلاثي الأبعاد قد يشكل ردا لهذه المشكلة. مبادرتنا "مشروع قاعدة بيانات المليون صورة" من قبل مؤسسة أوكسفورد لعلم الآثار الرقمي (IDA) يأمل بنشر آلاف الكاميرات ثلاثية الأبعاد لمتطوّعين من جمعيات، متاحف، ومؤسسات حكومية في نواحي الشرق الأوسط كي يتمكنوا من التقاط صور لآثار وتحف مهددة بالخطر.

ووفقا للمعهد الذي يعمل بالتعاون مع مؤسسة الثقافة والتراث والتعليم التابعة للأمم المتحدة - اليونيسكو ومعهد جامعة نيويورك لدراسة العالم القديم، فإن هذه الصور قد تستخدم لإنتاج تصوّر ثلاثي الأبعاد لهذه الأغراض والآثار عبر تقنية تدعى مسح تصويري "مبنى من الحركة".

الأسلوب ذاته يستخدم أيضا من قبل علم الآثار الرقمي لإنتاج نسخة عن قوس النصر في تدمر، هذا القوس الروماني الذي شُيّد قبل أكثر من 1800 سنة، والذي دمره تنظيم الدولة الإسلامية العام المنصرم. تم الكشف عن النسخة في نيسان/ أبريل المنصرم في ميدان ترافلغار في لندن، قبل أن يحمّل الشهر الماضي في متنزه سينترال بارك في نيويورك.

نسخة أخرى طبق الأصل لهذا القوس عُرضت في الكولوسيوم في روما الأسبوع الأخير الى جانب ثور نمرود المجنّح ذو الرأس البشري، وهو من التحف الأشورية التي دمرها تنظيم الدولة الإسلامية.

يوّجه كوهلماير نقدا شديدا لهذه المبادرات. "لكل من هو مضطلع وعليم بقوس تدمر، هذه النسخة طبق الأصل لا تشبه الأصل بتاتا. ربما الشكل الخارجي العام قليلا، ولكن ليس بالتفصيل. تبدو أكثر كمعرض من ديزني وورلد".

بعكس التصوير ثلاثي الأبعاد المباشر والذي يتم في الموقع بمسح تصويري هناك مجال كبير للخطأ، كما يحدثنا كوهلماير والذي يضيف أن الاعتماد على الصور من مبتدئين غير مهنيين أو ذوي خبرة لن يُنتج يوما تصوير ثلاثي الأبعاد دقيق بما فيه الكفاية ليتم استخدامه لاحقا في الأبحاث أو لأهداف إعادة الإعمار والترميم.

ويقول عالم الآثار "أشك بأن هذه هي الطريقة الصحيحة، بصراحة". ويتابع متطرقا لخطة مؤسسة أوكسفورد لعلم الآثار الرقمي بتوزيع الكاميرات بشكل جماعي "علينا أيضا أن نفكر بحقيقة أننا نرسل هؤلاء الناس الى مواقع خطر ونعرضهم للخطر. تخيّلوا أن هناك معلما في منطقة خاضعة لتنظيم الدولة الإسلامية وشخص ما يأتي بالكاميرا، لا شك أنه سيُقتل على الفور. هل هذا الأمر يستحق ذلك لأجل نتيجة غير دقيقة؟ أشك بذلك".

Polina Garaev/i24news

"بكل بساطة قد فات القطار لإنقاذ اثرات سوريا"، يعترف شريك كوهلماير منذ عشرة أعوام، خبير تصميم الألعاب الفيديو توماس بريمر. "ولكن يمكننا أن نتعلم من هذا الوضع. يجب أن يكون معيارا: اذا عثرت على موقع أثري، قم بمسحه. اذا كان لديك غرض أو قطعة مهمة، امسحها ديجيتاليا (رقميا). خصوصا في دول الوضع السياسي فيها غير مستقر، ولكن ليس هناك فقط. قد تُدمّر قطع ثقافية وأثرية أيضا في حريق بمتحف ما، أو قد تُضرب بإعصار معين، ولكن عبر المسح الرقمي الجيد بالإمكان على الأقل حفظ ذكراها".

يأمل الباحثان أن يشكلا مثالا يحتذى به عبر نموذج معبد اله العاصفة الذي أنتجاه، والذي يشكل نسخة طبق الأصل لدرجة المليمتر. عدا عن استخدامه لإعادة الإعمار والترميم (يشمل على سبيل المثال مسح لأقسام من الجدران الخارجية لقلعة حلب، والتي تضررت بحريق)، وفي المستقبل ينوون رفعها وتحميل التصوير الرقمي على مواقع الكترونية مباشرة ليكون متاحا للجميع.

تجربة أكثر تفاعليّة قد ترفع الوعي العام بخصوص مواقع التراث العالمي المهددة وحول أهمية ما قد نفقده، كما يؤكد كوهلماير.

بينما التصوير ثلاثي الأبعاد ليس بديلا للأصل، يؤكد الخبيران أن التقديم التصويري الدقيق قد يستخدم أيضا لخلق معرض متحف يعرض التحف ببيئتها الأصلية أو - في حال أنها قطع من - بشكل مُعاد بناؤه ومُرمم.

هذا سيسمح بالقيام بالمزيد من الأبحاث دون الحاجة للسفر الى الموقع الأثري أو الى موقع الغرض أو التحفة، وفي المستقبل أيضا العمل بالتعاون مع باحثين إضافيين في الفضاء الافتراضي ذاته.

احتمال القيام بمسح ثلاثي الأبعاد بات يحظى باعتراف دولي في صفوف الخبراء والأكاديميين والعلماء، في المقابل فإن التطورات تتم في الحقل. عمل بريمر يقلّص زمن المعالجة للمسح ثلاثي الأبعاد، على سبيل المثال بات يسمح بالقيام به في غضون 15 دقيقة الأمر الذي كان يتطلب يومين كاملين في الماضي، وبالتالي يخفف التكاليف.

يقول إن هذا هو المستقبل. بينما يمكن مقارنة التوجهات الحالية تجاه هذه التكنولوجيا والنظرة الى الانترنت عام 1992، في الـ15 سنة القادمة ستكون هذه الادوات متوافرة للجميع.

كن أول من وضع تعليق

تحتاج إلى أن تكون مسجلا لمرحلة ما بعد تعليقات. تسجيل الدخول أو تسجيل الدخول