- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- من غزة إلى إيران: كيف دفعت الحروب الإقليمية العلاقات بين فرنسا وإسرائيل إلى حافة القطيعة؟
من غزة إلى إيران: كيف دفعت الحروب الإقليمية العلاقات بين فرنسا وإسرائيل إلى حافة القطيعة؟
تدهور العلاقات الفرنسية الإسرائيلية يصل إلى مستويات غير مسبوقة: خلافات سياسية ودبلوماسية تتحول إلى قيود دفاعية واقتصادية

تشهد العلاقات بين فرنسا وإسرائيل واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ عقود، في ظل تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، التي عمّقت فجوة الخلاف بين الطرفين، ودفعت العلاقة إلى ما هو أبعد من السجال السياسي التقليدي نحو إجراءات عملية وخطوات عقابية متبادلة.
ويرى مراقبون أن هذا التدهور لا يمكن فصله عن تراكمات سابقة، إذ إن الحرب الأخيرة لم تكن سوى عامل تسريع لمسار تصدّع بدأ منذ سنوات، قبل أن تكشف التطورات الإقليمية حجم التباعد الحقيقي في الرؤى والمصالح.
الحرب على إيران تكشف عمق التباين
منذ اندلاع المواجهة، بدا الموقف الفرنسي خارج الإطار الأميركي الإسرائيلي، حيث تبنّت باريس خطابًا يدعو إلى التهدئة ورفض الانخراط في مقاربة عسكرية مفتوحة. ويقدّر محللون أن هذا التمايز يعكس رؤية أوروبية أوسع تعتبر أن الحرب لم تكن خيارًا توافقيًا داخل المعسكر الغربي.
ويُنظر إلى رفض فرنسا السماح بمرور شحنات عسكرية عبر أجوائها كإشارة عملية على هذا التباعد، خاصة أنه قوبل برد إسرائيلي مباشر تمثل في وقف مشتريات السلاح من باريس، في خطوة فسّرها خبراء باعتبارها رسالة سياسية تتجاوز البعد العسكري.
كما يشير متابعون إلى أن تمسك باريس بخيار الحلول الدبلوماسية، خصوصًا في ما يتعلق بمضيق هرمز، يعكس اختلافًا جوهريًا مع الرؤية الأميركية الإسرائيلية التي اعتمدت على أدوات الضغط العسكري.
غزة: نقطة التحول الأولى
يرى خبراء أن جذور الأزمة الحالية تعود إلى الحرب على غزة، حيث انتقل الموقف الفرنسي تدريجيًا من دعم أولي لإسرائيل إلى انتقاد متصاعد لسلوكها العسكري، خاصة مع ارتفاع الخسائر البشرية.
وقد شكّل هذا التحول، وفق تقديرات سياسية، نقطة احتكاك أساسية، لا سيما مع دعوات باريس لوقف إطلاق النار وفتح ممرات إنسانية، وهو ما اعتُبر في إسرائيل خروجًا عن الخطاب الغربي التقليدي.
كما زادت خطوات عملية، مثل تقييد مشاركة شركات السلاح الإسرائيلية في معارض دولية، من حدة التوتر، إذ اعتبرتها إسرائيل مؤشراً على انتقال الخلاف من المستوى السياسي إلى المجالين الدفاعي والاقتصادي.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية: التحول الأكثر حساسية
في السياق ذاته، يُنظر إلى قرار باريس الاعتراف بالدولة الفلسطينية كأحد أبرز نقاط التصعيد. ويعتقد محللون أن هذه الخطوة لم تُقرأ إسرائيليًا كإجراء رمزي، بل كتحول استراتيجي يعكس تغيرًا أوسع في المزاج الأوروبي.
وقد ساهمت هذه الخطوة، بحسب تقديرات مراقبين، في رفع مستوى الاحتقان السياسي، خصوصًا مع التصريحات الإسرائيلية التي اعتبرتها مساسًا مباشرًا بمصالحها وسيادتها.
لبنان وحدود النفوذ الفرنسي
مع اتساع المواجهة إلى الجبهة اللبنانية، حاولت باريس استعادة دورها التقليدي عبر مبادرات دبلوماسية لاحتواء التصعيد، إلا أن هذه الجهود اصطدمت برفض إسرائيلي عملي.
ويشير محللون إلى أن فشل المبادرة الفرنسية كشف محدودية قدرة باريس على التأثير عندما تتعارض مقاربتها مع الحسابات العسكرية الإسرائيلية، ما زاد من عمق التباين بين الطرفين.
من الخلاف السياسي إلى القيود الدفاعية
لم يقتصر التوتر على التصريحات، بل امتد إلى فرض قيود على التعاون العسكري، حيث اتخذت باريس خطوات لتقليص مشاركة شركات إسرائيلية في معارض تسليح، في مؤشر على انتقال الخلاف إلى مستويات أكثر حساسية.
ويرى خبراء أن هذه الإجراءات تعكس تحولًا في أدوات الضغط الفرنسية، من الاعتراض السياسي إلى التأثير المباشر في مجالات التعاون الدفاعي.
إلى أين تتجه العلاقة؟
رغم هذا التصعيد، يستبعد مراقبون وصول العلاقات إلى قطيعة كاملة، مشيرين إلى أن الطرفين لا يزالان يتحركان ضمن إطار غربي مشترك تحكمه مصالح استراتيجية معقدة.
ويقدّر محللون أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار حالة “المد والجزر”، حيث قد تتصاعد الخلافات في بعض الملفات، مقابل الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة، خاصة في قضايا مثل أمن الطاقة والملاحة وملفات شرق المتوسط.
تعكس الأزمة الحالية تحولًا أعمق في طبيعة العلاقة بين فرنسا وإسرائيل، من شراكة تقليدية إلى علاقة أكثر توترًا وتباينًا في الرؤى. وبينما دفعت الحروب الإقليمية هذا التوتر إلى الواجهة، يرى متابعون أن مستقبل العلاقة سيبقى رهينًا بقدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما دون الانزلاق إلى قطيعة يصعب احتواؤها.
