قمة شي وكيم تثير التساؤلات.. ماذا وراء التوقيت الحساس للزيارة الصينية؟
الزيارة الأولى للرئيس الصيني منذ سبع سنوات تأتي وسط تقارب متنامٍ بين كوريا الشمالية وروسيا، وتأكيد بيونغيانغ أن برنامجها النووي "غير قابل للتفاوض"، في رسالة مباشرة إلى واشنطن وحلفائها

اتجهت الأنظار إلى العاصمة الكورية الشمالية بيونغيانغ مع وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ في زيارة هي الأولى له منذ نحو سبع سنوات، في خطوة تعكس مساعي بكين لإعادة تثبيت نفوذها لدى حليفها التقليدي في ظل التحولات المتسارعة في شرق آسيا وتصاعد التنافس الدولي في المنطقة.
وتأتي الزيارة في توقيت حساس، بعد أسابيع من لقاءات عقدها شي جين بينغ مع عدد من القادة الدوليين، بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسط تصاعد التوترات المرتبطة بالملف النووي الكوري الشمالي والحرب في أوكرانيا.
بكين تسعى لاستعادة موقعها في بيونغيانغ
بحسب تقارير غربية، تنظر الصين إلى الزيارة باعتبارها محاولة لإعادة جذب كوريا الشمالية إلى دائرة النفوذ الصيني، بعد سنوات شهدت تقارباً متزايداً بين بيونغيانغ وموسكو على المستويين العسكري والاقتصادي.
وقالت وزارة الخارجية الصينية إن الزيارة تهدف إلى “تعزيز العلاقات الثنائية ودعم السلام والاستقرار الإقليميين”، مؤكدة أن العلاقات التقليدية بين البلدين “تواصل التطور بصورة مستقرة”.
وترتبط الصين وكوريا الشمالية بتحالف سياسي وعسكري يمتد لعقود، إذ يشترك البلدان بحدود تمتد لنحو 1400 كيلومتر، كما يرتبطان باتفاق تعاون ودفاع متبادل يعود إلى ستينيات القرن الماضي.
تقارب كوري شمالي – روسي يقلق بكين
وتأتي الزيارة في وقت عززت فيه كوريا الشمالية علاقاتها مع روسيا بشكل غير مسبوق، خاصة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث تحدثت تقارير عن تعاون عسكري متزايد بين الجانبين، شمل دعماً لوجستياً وتسليحياً ومشاركة قوات كورية شمالية إلى جانب موسكو.
ويرى محللون أن بكين تخشى من تراجع نفوذها التقليدي داخل كوريا الشمالية لصالح روسيا، خصوصاً مع تزايد اعتماد بيونغيانغ على موسكو في مواجهة العقوبات الغربية والضغوط الدولية.
في المقابل، تحاول كوريا الشمالية الحفاظ على هامش مناورة بين القوتين، وعدم الارتهان الكامل لأي طرف، مستفيدة من التنافس القائم بين موسكو وبكين وواشنطن.
الملف النووي يعود إلى الواجهة
يبقى البرنامج النووي الكوري الشمالي الملف الأكثر حساسية في العلاقات الإقليمية، خاصة مع استمرار بيونغيانغ في تطوير ترسانتها النووية وبرامج الصواريخ الباليستية رغم العقوبات الدولية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، كشفت كوريا الشمالية عن منشآت جديدة يُعتقد أنها مرتبطة بتخصيب اليورانيوم، فيما دعا الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى تسريع تطوير “القوة النووية الاستراتيجية” لبلاده.
ورغم أن الصين دعمت تاريخياً مبدأ نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، فإن موقفها بدا أقل تشدداً خلال السنوات الأخيرة، في ظل أولوياتها المرتبطة بمواجهة النفوذ الأميركي في المنطقة.
بيونغيانغ: برنامجنا النووي غير قابل للتفاوض
وفي رسالة واضحة قبل الزيارة، أكدت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي وأحد أبرز الشخصيات النافذة في النظام، أن البرنامج النووي الكوري الشمالي “ليس مطروحاً للنقاش أو التفاوض”.
وقالت في مقال نشرته صحيفة “رودونغ سينمون” الرسمية إن تعزيز القدرات النووية يمثل “مساراً لا رجعة فيه”، معتبرة أن الدعوات الأميركية والدولية لنزع السلاح النووي “أوهام غير واقعية”.
وتعكس هذه التصريحات تمسك بيونغيانغ بسياسة الردع النووي، في وقت تبدو فيه فرص استئناف المفاوضات مع واشنطن شبه مجمدة.
لماذا تخشى الصين السلاح النووي الكوري؟
ورغم تحالفها الوثيق مع بيونغيانغ، لا تنظر الصين إلى البرنامج النووي الكوري الشمالي باعتباره مكسباً استراتيجياً كاملاً، بل تعتبره مصدر قلق قد يدفع المنطقة إلى سباق تسلح أوسع.
وتخشى بكين من أن يؤدي استمرار التصعيد النووي إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي قرب حدودها، عبر توسيع أنظمة الدفاع الصاروخي والتحالفات الأمنية مع اليابان وكوريا الجنوبية.
كما تخشى القيادة الصينية من سيناريو انهيار النظام الكوري الشمالي أو اندلاع مواجهة عسكرية واسعة قد تؤدي إلى تدفق لاجئين وفوضى أمنية على حدودها.
لذلك تحاول الصين الحفاظ على كوريا الشمالية كدولة عازلة في مواجهة النفوذ الأميركي، مع السعي في الوقت نفسه لمنع أي تصعيد نووي قد يهدد الاستقرار الإقليمي.
تعاون اقتصادي وسياحي مرتقب
اقتصادياً، يُتوقع أن تبحث القمة سبل تعزيز التعاون التجاري والسياحي بين البلدين، خاصة بعد سنوات من الإغلاق الذي فرضته جائحة كورونا على كوريا الشمالية.
وقبل الجائحة، كان السياح الصينيون يشكلون الغالبية الساحقة من الزوار الأجانب إلى كوريا الشمالية، ما وفر لبيونغيانغ مصدراً مهماً للعملات الأجنبية.
ويرى مراقبون أن تعزيز التعاون الاقتصادي مع الصين قد يمنح كوريا الشمالية متنفساً إضافياً في مواجهة العقوبات الغربية، في وقت تبدو فيه القيادة الكورية الشمالية أقل اهتماماً بإحياء الحوار مع الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية.
