هل تتفكك المعادلة الداخلية؟ تصعيد خطير بين الجيش والمؤسسة الدينية في باكستان
الخلافات تتسع حول الغارات على أفغانستان ومحاولات الحكومة ضبط المدارس الدينية، وسط اتهامات متبادلة بين المؤسسة العسكرية والتيارات الدينية بتهديد الاستقرار الداخلي وتوسيع الانقسام السياسي في البلاد

تشهد باكستان تصاعدًا ملحوظًا في حدة الخلافات بين المؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية، في ظل تدهور العلاقات مع أفغانستان وتزايد الانتقادات الداخلية للسياسات الأمنية التي يقودها الجيش، خصوصاً بعد الغارات الجوية الأخيرة داخل الأراضي الأفغانية وما تبعها من سجال سياسي وديني غير مسبوق.
وتحوّل الملف الأفغاني خلال الأسابيع الأخيرة إلى ساحة مواجهة سياسية داخلية، بعدما اتهم قادة دينيون الجيش الباكستاني بتبني سياسات تصعيدية تخدم “أجندات خارجية”، فيما تصر المؤسسة العسكرية على أن مصدر التهديد الأمني يتمثل في وجود ملاذات آمنة للمسلحين داخل أفغانستان.
غارات جوية ترفع مستوى التوتر مع كابول
ونفذت طائرات حربية باكستانية غارات على مناطق في ولايات خوست وباكتيكا وكنر الأفغانية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وفق ما أعلنته السلطات في كابول. واتهمت الحكومة الأفغانية الجيش الباكستاني باستهداف منازل مدنية وانتهاك المجال الجوي الأفغاني، بينما قالت إسلام أباد إن الضربات استهدفت مواقع لمسلحين تابعين لـ“طالبان باكستان”.
وتُعد هذه الضربات الأعنف منذ أسابيع، بعد فترة من الهدوء النسبي على الحدود بين البلدين، ما أعاد المخاوف من احتمال انزلاق العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر توتراً.
جمعية علماء الإسلام يهاجم المؤسسة العسكرية
وعادت الخلافات الداخلية إلى الواجهة بقوة بعد تصريحات زعيم جمعية علماء الإسلام المولوي فضل الرحمن، الذي شن هجوماً مباشراً على المؤسسة العسكرية، متهماً إياها بالفشل في معالجة التهديدات الأمنية داخل البلاد، والتركيز بدلاً من ذلك على استهداف أفغانستان.
وقال فضل الرحمن، خلال خطاب جماهيري في إقليم بلوشستان، إن المسلحين نفذوا هجمات داخل العمق الباكستاني واستهدفوا مواقع عسكرية حساسة، متسائلاً عن سبب “رؤية الجيش للمسلحين داخل أفغانستان فقط". كما اتهم المؤسسة العسكرية بتحويل دول الجوار إلى خصوم لباكستان، معتبراً أن السياسات الحالية أدت إلى “عزل البلاد إقليمياً".
استياء متزايد داخل المجتمع الباكستاني
ويرى محللون باكستانيون أن الانتقادات لم تعد مقتصرة على الأحزاب الدينية، بل باتت تشمل شرائح واسعة من المجتمع وحتى بعض الدوائر داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
وقال المحلل الأمني ذيشان الرحمن إن السياسات الحالية “دفعت أفغانستان نحو العداء مع باكستان من دون مبررات واضحة”، مضيفاً أن استمرار القصف داخل الأراضي الأفغانية قد يفاقم التوترات الأمنية والسياسية في المنطقة.
وأشار إلى أن عشرات آلاف المدارس الدينية في باكستان ترتبط فكرياً ودينياً بالمدارس الدينية الأفغانية، وهو ما يفسر حجم الغضب داخل الأوساط الدينية من العمليات العسكرية ضد أفغانستان.
المدارس الدينية في قلب الصراع
إلى جانب الملف الأمني، تبرز قضية ضبط المدارس الدينية كأحد أبرز أسباب التوتر بين المؤسسة العسكرية والتيارات الدينية.
وتسعى السلطات الباكستانية إلى فرض رقابة أكبر على المدارس الدينية والمساجد، من خلال إلزامها بالتراخيص الرسمية وتوحيد المناهج التعليمية، في خطوة تقول الحكومة إنها تهدف إلى مكافحة التطرف وتنظيم القطاع الديني.
لكن اتحاد "وفاق المدارس"، المدعوم من الأحزاب الدينية وأنصار فضل الرحمن، يرفض تلك الإجراءات، معتبراً أنها محاولة لفرض السيطرة الأمنية على المؤسسات الدينية وتقليص استقلاليتها.
كما فشلت محاولات الحكومة إنشاء أطر دينية بديلة موالية لها، بسبب النفوذ الكبير الذي يتمتع به “وفاق المدارس” داخل المجتمع الباكستاني.
مخاوف من اتساع الفجوة
واعتبر خبراء أن غياب الرقابة على المدارس الدينية يمثل مشكلة حقيقية، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن إدارة الملف بطريقة أمنية قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
ورأوا أن السلطات تخشى من وجود أفراد تخرجوا من بعض المدارس الدينية وانضموا لاحقاً إلى جماعات مسلحة، ما يدفعها إلى المطالبة بالكشف عن مصادر التمويل وأعداد الطلبة وآليات الإدارة.
ويرى خبراء استمرار الخلاف بين المؤسسة العسكرية والتيارات الدينية، خصوصًا في ظل التصعيد مع أفغانستان، قد يدفع البلاد إلى مرحلة أكثر تعقيداً يصعب احتواؤها مستقبلاً.
