برلين وأنقرة تعيدان إحياء الشراكة الاستراتيجية: هل تفتح التحولات الأمنية الأوروبية الباب أمام تركيا؟
استئناف آلية الحوار الاستراتيجي بعد 12 عاماً يعكس تقارباً مدفوعاً باعتبارات الدفاع والطاقة والهجرة وإعادة تشكيل منظومة الأمن الأوروبية

تمثل عودة آلية الحوار الاستراتيجي بين ألمانيا وتركيا نقطة تحول في العلاقات بين البلدين بعد أكثر من عقد من الجمود السياسي والتوترات المتكررة. فاستئناف هذه الآلية، التي توقفت عملياً منذ عام 2014، لا يعكس مجرد رغبة في تحسين العلاقات الثنائية، بل يأتي في سياق تحولات جيوسياسية واسعة تدفع الطرفين إلى إعادة تقييم أولوياتهما الاستراتيجية في أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.
وجاء الإعلان عن استئناف الحوار خلال زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى برلين، حيث عقد الاجتماع الثالث للآلية للمرة الأولى منذ 12 عاماً، في خطوة تعكس إدراكاً متبادلاً بأن البيئة الأمنية والاقتصادية الحالية تفرض أنماطاً جديدة من التعاون بين الجانبين.
التحولات الدولية تدفع نحو التقارب
شهدت العلاقات الألمانية–التركية خلال السنوات الماضية فترات من التوتر بسبب ملفات متعددة، شملت قضايا حقوق الإنسان والسياسات التركية في شرق المتوسط وسوريا، إضافة إلى الخلافات المرتبطة بمسار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
لكن الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف الأوروبية بشأن أمن الطاقة والدفاع، دفعت برلين إلى إعادة النظر في موقع تركيا داخل المعادلة الأوروبية.
ومن هذا المنطلق، باتت أنقرة تُنظر إليها كشريك إقليمي يمتلك تأثيراً متزايداً في عدد من الملفات الحساسة، بدءاً من البحر الأسود وأوكرانيا، مروراً بسوريا وإيران، وصولاً إلى قضايا الهجرة وأمن الطاقة.
إطار مؤسسي لشراكة طويلة المدى
لا يقتصر الحوار الاستراتيجي على اللقاءات السياسية، بل يتضمن إنشاء لجان وفرق عمل متخصصة لمتابعة ملفات محددة بصورة دورية.
ومن المنتظر أن تناقش هذه اللجان قضايا تتعلق بالعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، والتكنولوجيا المتقدمة، والتحول الرقمي، والأمن والدفاع، إضافة إلى مشاريع البنية التحتية وخطوط النقل التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى عبر الأراضي التركية.
كما تشمل أجندة الحوار ملفات الهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الممرات البحرية والطاقة، وهي قضايا أصبحت تحتل موقعاً مركزياً في الحسابات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.
الدفاع والأمن في صدارة الأولويات
يبدو أن الجانب الأمني يشكل المحرك الرئيسي للتقارب الحالي بين برلين وأنقرة.
ففي ظل توجه ألمانيا نحو زيادة الإنفاق العسكري وإعادة بناء قدراتها الدفاعية، تنظر المؤسسات الأمنية الألمانية باهتمام متزايد إلى التطور الذي شهدته الصناعات الدفاعية التركية خلال العقد الأخير.
وتبرز تركيا اليوم كأحد أكبر المنتجين الإقليميين للطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، وهي تقنيات أثبتت فعاليتها في عدد من النزاعات الإقليمية.
كما أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي تمنحها أهمية إضافية في ظل سعي أوروبا إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في بعض المجالات العسكرية.
ويرى مسؤولون وخبراء أوروبيون أن التعاون مع تركيا قد يساهم في سد فجوات قائمة في القدرات الدفاعية الأوروبية، خصوصاً مع تزايد التحديات الأمنية على حدود الحلف الشرقية والجنوبية.
الاقتصاد والتجارة.. محرك إضافي للتقارب
إلى جانب البعد الأمني، تسعى برلين وأنقرة إلى توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما.
وتعد ألمانيا أحد أهم الشركاء التجاريين لتركيا، فيما يتوقع الجانبان زيادة حجم التبادل التجاري خلال السنوات المقبلة مع تعزيز الاستثمارات المتبادلة وتوسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والصناعة.
كما تراهن أنقرة على الدعم الألماني في مساعي تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب إعادة تنشيط الحوار بشأن تسهيل إجراءات التأشيرات للمواطنين الأتراك.
ويمثل هذا الملف أحد المطالب التركية الأساسية، نظراً لما يحمله من أبعاد اقتصادية وسياسية تتجاوز العلاقات الثنائية مع ألمانيا وحدها.
تركيا والبحث عن موقع داخل المنظومة الأوروبية الجديدة
من منظور تركي، لا يقتصر الحوار على الملفات الثنائية، بل يرتبط أيضاً بموقع أنقرة في الترتيبات الأمنية والسياسية التي تتشكل داخل أوروبا.
الحكومة التركية ترى أن أي منظومة دفاعية أوروبية تستبعد تركيا ستبقى ناقصة من الناحية العملياتية والاستراتيجية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وحجم مساهمتها داخل الناتو.
وفي هذا السياق، تسعى أنقرة إلى تعزيز مشاركتها في مشاريع الدفاع الأوروبية المشتركة، بما في ذلك مبادرات المشتريات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي.
كما تأمل في أن يفتح التقارب مع برلين الباب أمام دور ألماني أكثر فاعلية في تخفيف الاعتراضات السياسية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، خاصة في الملفات المرتبطة بالعلاقات الأوروبية–التركية.
عقبات لم تختفِ بالكامل
رغم الأجواء الإيجابية المحيطة باستئناف الحوار، فإن الطريق أمام الشراكة الجديدة لا يخلو من التحديات.
فلا تزال هناك خلافات قائمة بشأن ملفات إقليمية وسياسية معقدة، من بينها قضية قبرص، ومستقبل العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تباينات في بعض المقاربات المتعلقة بالشرق الأوسط وحقوق الإنسان.
كما أن التجارب السابقة أظهرت أن العلاقات بين البلدين كثيراً ما تتأثر بالتطورات السياسية الداخلية والإقليمية، ما يجعل استدامة التقارب الحالي مرتبطة بقدرة الطرفين على إدارة الخلافات ومنعها من تعطيل المصالح المشتركة.
شراكة فرضتها الجغرافيا والواقع الأمني
تعكس إعادة تفعيل آلية الحوار الاستراتيجي تحولاً في النظرة الألمانية إلى تركيا، من شريك إشكالي إلى طرف يصعب تجاوزه في معادلات الأمن والطاقة والهجرة.
وفي المقابل، ترى أنقرة في هذا الانفتاح فرصة لتعزيز موقعها داخل أوروبا واستثمار وزنها الجيوسياسي المتنامي في بيئة دولية تشهد إعادة رسم للتحالفات وموازين القوى.
وبينما لا تبدو الخلافات التاريخية بين الجانبين قد اختفت، فإن المتغيرات الأمنية والاقتصادية الحالية تدفع برلين وأنقرة نحو مقاربة أكثر براغماتية، عنوانها التعاون في الملفات الاستراتيجية مع إبقاء الخلافات السياسية تحت السيطرة.
