إعادة التسلّح الألماني يثير مخاوف أوروبية.. برلين تحاول طمأنة الجيران
صعود القوة العسكرية الألمانية يعيد إلى الواجهة هواجس تاريخية وحكومة ميرتس تراهن على التعاون الدفاعي الأوروبي لمنع تحوّل إعادة التسلح إلى مصدر انقسام داخل القارة

تستعد ألمانيا لتحول كبير في قدراتها الدفاعية، مع خطط لرفع الإنفاق العسكري وتعزيز قدرات الجيش الألماني، في ظل تراجع الاعتماد الأوروبي على المظلة الأمنية الأميركية وتصاعد المخاوف من التهديد الروسي.
لكن الطموح الألماني لبناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا يثير في الوقت نفسه تساؤلات لدى عدد من الدول الأوروبية، خصوصاً فرنسا وبولندا والدول المجاورة الأصغر، التي تنظر بحذر إلى عودة القوة العسكرية الألمانية إلى مركز المشهد الأوروبي.
وتزداد الحساسية مع إعلان المستشار فريدريش ميرتس عزمه توفير الموارد اللازمة للقوات المسلحة الألمانية، في وقت قد يصل فيه الإنفاق الدفاعي الألماني إلى نحو 150 مليار يورو سنوياً بحلول عام 2029، وفق تقديرات وردت في المادة.
باريس قلقة من صعود برلين
في فرنسا، تتزايد المخاوف من أن يؤدي التفوق العسكري الألماني إلى تغيير ميزان القوى داخل أوروبا، ولا سيما مع تعثر بعض المشاريع الدفاعية المشتركة بين البلدين، ومن بينها مشروع الطائرة المقاتلة الأوروبية المستقبلية.
ويرى خبراء فرنسيون أن تركيز برلين المتزايد على مشاريع دفاعية وطنية، إلى جانب غموض رؤيتها بشأن مستقبل التعاون العسكري الأوروبي، قد يضعف طموح باريس لبناء استقلال دفاعي أوروبي أكثر اعتماداً على القدرات الأوروبية وأقل ارتباطاً بالولايات المتحدة.
كما يخشى مراقبون من أن تتحول إعادة التسلح الألمانية إلى مادة انتخابية يستغلها اليمين واليمين المتطرف، خصوصاً في فرنسا وبولندا وإيطاليا، لإثارة المخاوف من الهيمنة الألمانية على أوروبا.
برلين تحاول احتواء المخاوف
في المقابل، تتحرك الحكومة الألمانية لتقديم إعادة التسلح باعتبارها مشروعاً أوروبياً وليس محاولة لبناء قوة ألمانية مستقلة.
وتسعى برلين إلى توسيع التعاون العسكري مع فرنسا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، فيما أعلنت ألمانيا وفرنسا عن خطط لتدريبات مشتركة تشمل القوات الألمانية والقوات النووية الفرنسية، في خطوة تهدف إلى إظهار أن تعزيز القدرات الألمانية يجري ضمن إطار أوروبي مشترك.
كما تعزز برلين اتفاقيات التعاون الدفاعي مع شركائها، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا، وتعمل على مشاريع مشتركة في مجال التسليح والمعدات العسكرية.
الحاجة إلى جيش ألماني قوي مقابل مخاوف الهيمنة
ويرى مؤيدو إعادة التسلح الألمانية أن القارة لا تملك ترف الاعتراض على زيادة القدرات العسكرية لبرلين في وقت تواجه فيه أوروبا تهديدات أمنية متصاعدة وتراجعاً محتملاً في الالتزام الأميركي.
لكن التحدي أمام ميرتس لا يتعلق فقط بحجم الجيش الألماني، بل بكيفية استخدام القوة الجديدة داخل المنظومة الأوروبية.
ويرى خبراء أن على برلين طمأنة جيرانها عبر مزيد من التنسيق والشفافية، وتجنب تقديم مشروع إعادة التسلح باعتباره مسعى ألمانياً منفرداً. فنجاح الاستراتيجية الألمانية، بحسب هذه الرؤية، سيتوقف على قدرتها على تحويل القوة العسكرية الجديدة من مصدر قلق إلى عنصر في منظومة دفاع أوروبية مشتركة.
