المغرب يترقب توازنات أممية أكثر انسجاما مع الدينامية الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي لحسم ملف الصحراء
قضية الصحراء دخلت، مع بداية سنة 2026، مرحلة دولية وأممية مغايرة لتلك التي طبعت مسارها خلال العقود الماضية، في ظل التحولات التي شهدتها موازين القوى داخل مجلس الأمن،

تتجه أنظار المغرب إلى ما قد يفرز عنه انتخاب الجمعية العامة للأمم المتحدة لخمسة أعضاء جدد لشغل المقاعد غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة الممتدة من يناير/كانون الاثني 2027 إلى دسيمبر/كانون الأول 2028، من انعكاسات سياسية ودبلوماسية على عدد من الملفات الدولية المعروضة على المجلس، وفي مقدمتها قضية الصحراء، التي تظل من أبرز القضايا المدرجة بصفة دورية على جدول أعمال الهيئة الأممية المكلفة بحفظ السلم والأمن الدوليين.
وقد أسفرت عملية الانتخاب عن فوز النمسا والبرتغال عن مجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، وزيمبابوي عن المجموعة الإفريقية، وقيرغيزستان عن مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وترينيداد وتوباغو عن مجموعة أمريكا اللاتينية والكاريبي، وذلك خلفًا للصومال وباكستان وبنما والدنمارك واليونان التي تنتهي ولايتها مع متم سنة 2026.
وفي هذا الإطار، أشار تقرير نشرته منصة «ميدل إيست أونلاين» إلى أن قضية الصحراء دخلت، مع بداية سنة 2026، مرحلة دولية وأممية مغايرة لتلك التي طبعت مسارها خلال العقود الماضية، في ظل التحولات التي شهدتها موازين القوى داخل مجلس الأمن، وما راكمه المغرب من مكاسب دبلوماسية خلال سنة 2025، الأمر الذي جعل فرضية الاقتراب من تسوية هذا النزاع تبدو أكثر واقعية من أي وقت مضى.
ورغم أن العضوية غير الدائمة لا تخول للدول المنتخبة حق النقض (الفيتو)، الذي يظل حكرًا على الأعضاء الدائمين الخمسة، فإنها تكتسي أهمية معتبرة في مسار صناعة القرار الأممي، لاسيما في القضايا التي تستدعي بناء التوافقات السياسية وصياغة القرارات والتوصيات داخل أروقة المجلس.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المتابعين أن نتائج هذه الانتخابات تحمل مؤشرات إيجابية بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى طبيعة مواقف بعض الدول المنتخبة من قضية الصحراء ومن مبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها الرباط باعتبارها إطارًا لتسوية النزاع في إطار السيادة المغربية.
ويبرز ضمن هذا المعطى انتخاب كل من النمسا والبرتغال، وهما دولتان عبّرتا خلال السنوات الأخيرة عن مواقف اعتُبرت أكثر تقاربًا مع الطرح المغربي مقارنة ببعض المواقف الأوروبية السابقة. فقد أبدت فيينا دعمًا متزايدًا لمقاربة الحل الواقعي والعملي، في حين أكدت لشبونة في أكثر من مناسبة أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل أساسًا جادًا وذا مصداقية للتوصل إلى حل سياسي دائم ومتوافق بشأنه. وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به الدول الأوروبية داخل مجلس الأمن في بلورة التوافقات وصياغة مشاريع القرارات المرتبطة بالقضايا الدولية الحساسة.
كما أن انتخاب قيرغيزستان يمنح الدبلوماسية المغربية هامشًا إضافيًا من الارتياح، بالنظر إلى أن هذا البلد لا يصنف ضمن الدول الداعمة لجبهة «البوليساريو»، ويتبنى موقفًا يقوم على دعم جهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي متوافق بشأنه. ورغم أن هذا الموقف لا يرقى إلى مستوى التأييد الصريح للمبادرة المغربية، فإنه ينسجم مع التوجه الدولي المتنامي الذي يفضل الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق على الطروحات التي أظهرت التجربة صعوبة تنزيلها على أرض الواقع.
وفي المقابل، تظل ترينيداد وتوباغو الدولة الوحيدة ضمن الأعضاء الجدد التي ما تزال تحتفظ باعترافها بالبوليساريو، غير أن حضورها داخل المجلس لا يُتوقع أن يشكل عامل ضغط مؤثر على المغرب، بالنظر إلى محدودية انخراطها في هذا الملف داخل المؤسسات الدولية، فضلًا عن أن قرارات مجلس الأمن تُصاغ في إطار منطق التوازنات والتوافقات الجماعية، ولا تتوقف على موقف دولة بعينها.
ومن جهة أخرى، ستظل تركيبة مجلس الأمن خلال سنة 2027 تضم أيضًا الأعضاء غير الدائمين المنتخبين في الدورة السابقة، وهم البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا، الذين سيواصلون ممارسة مهامهم إلى غاية نهاية دجنبر 2027.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية إضافية بالنسبة للمغرب، لكون عدد من هذه الدول، وفي مقدمتها البحرين وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، تبنى في المحافل الدولية مواقف منسجمة مع الرؤية المغربية القائمة على منح الأقاليم الجنوبية حكمًا ذاتيًا في إطار السيادة الوطنية، وهو ما يعزز، من منظور الرباط، التوازن داخل النقاشات المرتبطة بملف الصحراء، ويدعم الاتجاه الدولي المتنامي نحو ترسيخ المبادرة المغربية باعتبارها أساسًا للحل
وأوضح التقرير أن محطة التحول الأبرز تجسدت في اعتماد مجلس الأمن، خلال أكتوبر 2025، للقرار 2797، الذي وصفه بأنه من بين أكثر القرارات وضوحًا وتأثيرًا منذ انطلاق المسار الأممي للنزاع. فبحسب التقرير، كرّس القرار مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الجدي وذي المصداقية والواقعي لأي تسوية سياسية مستقبلية، كما عزز من تحميل الجزائر مسؤولية مباشرة في النزاع من خلال اعتبارها طرفًا معنيًا به، وليس مجرد مراقب، بما يفرض عليها الانخراط الفعلي في العملية السياسية بدل الاكتفاء بالتأثير عليها من خارجها.
