مصر وإريتريا ترسمان خطوط احتواء جديدة لإثيوبيا: هل يتسع الصراع على البحر الأحمر؟
اتفاق النقل البحري بين مصر وإريتريا يفتح فصلاً جديداً من التنافس الجيوسياسي في البحر الأحمر

اتهمت إثيوبيا مصر بالسعي إلى عرقلة طموحاتها للوصول إلى البحر الأحمر، في أحدث مؤشر على تصاعد التوتر السياسي بين الجانبين، وذلك عقب أيام من توقيع اتفاقية للنقل البحري بين مصر وإريتريا في أسمرة. ويعكس السجال المتجدد حجم الحساسية التي باتت تحيط بملف البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل تداخل المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية للدول الفاعلة في المنطقة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات قيتاجو، إن بلاده ستواصل العمل للحصول على منفذ بحري عبر وسائل سلمية ومستدامة، معتبرًا أن استمرار إثيوبيا كدولة حبيسة لم يعد وضعًا مقبولًا على المدى الطويل. وجاءت هذه التصريحات بعد خمسة أيام من توقيع القاهرة وأسمرة اتفاقية لإطلاق خط شحن بحري بين موانئ البلدين وتعزيز التعاون اللوجستي والتجاري في البحر الأحمر.
البحر الأحمر.. ساحة التنافس الجديدة
لم يكن توقيت الاتفاق المصري–الإريتري عابرًا بالنسبة لإثيوبيا. فإلى جانب أبعاده الاقتصادية، حمل الاتفاق رسائل سياسية مرتبطة بإدارة أمن البحر الأحمر، حيث شدد الطرفان على أن أمن الممر المائي يجب أن يبقى مسؤولية الدول المشاطئة له، وهو موقف تنظر إليه أديس أبابا باعتباره استبعادًا غير مباشر لطموحاتها المتزايدة في هذا الملف.
ويأتي ذلك في وقت تعتبر فيه القيادة الإثيوبية أن الوصول إلى البحر الأحمر لم يعد مجرد قضية اقتصادية تتعلق بخفض تكاليف التجارة، بل تحول إلى هدف استراتيجي يرتبط بمكانة الدولة ومستقبلها الإقليمي، خاصة بعد ثلاثة عقود من فقدان المنافذ البحرية إثر استقلال إريتريا عام 1993.
القاهرة تعيد التموضع في القرن الأفريقي
من منظور مصري، يندرج التقارب مع إريتريا ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز الحضور في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهما منطقتان ترتبطان بصورة مباشرة بأمن الملاحة الدولية ومصالح مصر الاقتصادية المرتبطة بقناة السويس.
كما ترى القاهرة في أسمرة شريكًا مهمًا ضمن شبكة العلاقات التي تعمل على بنائها في محيط إثيوبيا، في إطار سياسة تهدف إلى توسيع هامش النفوذ الإقليمي وتنويع أدوات التأثير في مواجهة التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وحسب مراقبين فإن هذا التوجه يعكس أيضًا محاولة مصرية لاستعادة دور أكثر فاعلية داخل القارة الأفريقية بعد سنوات من الانكفاء النسبي عن بعض ملفاتها، خصوصًا في ظل تنامي الإدراك بأن الأمن المائي والجيوسياسي لمصر بات مرتبطًا بصورة متزايدة بالتطورات الجارية في القرن الأفريقي.
عقدة المنفذ البحري الإثيوبي
بالنسبة لإثيوبيا، يمثل فقدان السواحل إحدى أبرز المعضلات الجيوسياسية التي تواجه الدولة منذ استقلال إريتريا. وتعتمد أديس أبابا بشكل شبه كامل على موانئ الدول المجاورة، وفي مقدمتها جيبوتي، ما يجعل قضية الوصول إلى البحر الأحمر أولوية استراتيجية دائمة.
وقد أعادت تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد خلال الأشهر الأخيرة بشأن "الخطأ التاريخي" المتمثل في فقدان السواحل إثارة المخاوف الإقليمية، خصوصًا في إريتريا التي تنظر بحذر إلى أي خطاب إثيوبي يتجاوز البعد الاقتصادي نحو مفاهيم النفوذ والمجال الحيوي.
ويرى مراقبون أن أديس أبابا تسعى إلى إعادة صياغة موقعها الإقليمي بما يتناسب مع ثقلها السكاني والاقتصادي، وهو ما يثير قلق عدد من دول الجوار التي تخشى أن يتحول مطلب المنفذ البحري إلى أداة لإعادة رسم موازين القوى في القرن الأفريقي.
السلام الهش بين إثيوبيا وإريتريا
رغم اتفاق السلام الذي وقعه آبي أحمد وأسياس أفورقي عام 2018، فإن العلاقات بين البلدين لم تصل إلى مرحلة الاستقرار الكامل. فالإرث التاريخي للنزاعات الحدودية، والحرب التي دارت بينهما بين عامي 1998 و2000، لا يزال يلقي بظلاله على المشهد السياسي والأمني.
وتفاقمت الشكوك المتبادلة خلال السنوات الأخيرة مع تزايد الخلافات بشأن ملفات إقليمية مختلفة، إضافة إلى استبعاد أسمرة من بعض التفاهمات السياسية المتعلقة بالحرب في إقليم تيغراي، الأمر الذي أعاد التوتر تدريجيًا إلى العلاقة بين الجانبين.
في هذا السياق، تنظر إريتريا إلى الخطاب الإثيوبي المتعلق بالبحر الأحمر باعتباره تطورًا يحمل أبعادًا أمنية تتجاوز المطالب الاقتصادية التقليدية، ما يفسر تقاربها المتزايد مع القاهرة.
سد النهضة.. الخلفية التي لا تغيب
يصعب فصل التحركات المصرية في القرن الأفريقي عن تداعيات ملف سد النهضة، الذي ما زال يمثل أحد أبرز عناصر التوتر بين القاهرة وأديس أبابا.
فمن وجهة النظر المصرية، أدى مسار السد إلى تآكل الثقة السياسية بين الطرفين، وجعل أي تحرك إثيوبي جديد في الإقليم يُقرأ من خلال عدسة المنافسة الاستراتيجية. وفي المقابل، تنظر إثيوبيا إلى المواقف المصرية باعتبارها محاولة للحفاظ على توازنات إقليمية تحد من توسع نفوذها المتنامي.
هذه الخلفية تجعل من الصعب على الجانبين الفصل بين الملفات المختلفة، حيث باتت قضايا البحر الأحمر والقرن الأفريقي والمياه مترابطة ضمن معادلة إقليمية واحدة.
سياسة الاحتواء بدل المواجهة
مع ذلك، لا تبدو القاهرة راغبة في الانخراط في مواجهة مباشرة مع إثيوبيا. فالتقديرات المصرية تشير إلى أن كلفة التصعيد ستكون مرتفعة سياسيًا وأمنيًا، خصوصًا في منطقة تشهد أصلًا أزمات متشابكة في السودان والقرن الأفريقي.
لذلك تميل مصر إلى استراتيجية تقوم على بناء التحالفات وتعزيز الشراكات الإقليمية وتوسيع حضورها الدبلوماسي والأمني، بدلًا من تبني خيارات صدامية. ويُنظر إلى التقارب مع إريتريا والصومال ضمن هذا الإطار، باعتباره جزءًا من سياسة احتواء طويلة الأمد تستهدف الحفاظ على توازنات القوة في المنطقة.
اختبار جديد لموازين القوى
التطور الأخير بين مصر وإريتريا لا يعني بالضرورة اقتراب مواجهة مباشرة مع إثيوبيا، لكنه يكشف عن مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي في شرق أفريقيا. فبينما تسعى أديس أبابا إلى توسيع مجالها الاستراتيجي وتأمين منفذ بحري ينسجم مع طموحاتها الإقليمية، تعمل القاهرة على بناء شبكة تحالفات تحول دون أي تغييرات جوهرية في موازين القوى قد تمس مصالحها الأمنية.
وفي ظل غياب تسويات نهائية لملفات البحر الأحمر وسد النهضة والعلاقات الإثيوبية–الإريترية، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة من إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث ستتحدد ملامح النفوذ الإقليمي خلال السنوات المقبلة عبر أدوات الدبلوماسية والتحالفات أكثر من المواجهات العسكرية المباشرة.
