الحسابات الانتخابية بالجزائر في مهب المفاجآت: قضايا جنائية، "مال فاسد"، وسجال رياضي عابر للحدود
المؤشرات الراهنة أن الحملة الانتخابية بالجزائر قد انحرفت مبكراً عن مسارها التقليدي المرتكز على التنافس البرامجي، لتبحر في أمواج متلاطمة من الأزمات القضائية، والمناورات السياسية، والتجاذبات الخارجية

شهدت الأيام الأولى من الحملة الانتخابية للاستحقاق التشريعي المقرَّر في الثاني من يوليو /تموز الوشيك بالجزائر، ارتدادات متلاحقة وتطورات غير متوقعة أربكت الحسابات السياسية للأحزاب، ونقلت السجال العام من نقاش البرامج والوعود إلى قضايا قضائية ودبلوماسية شائكة.
ففي ولاية عنابة (شرق البلاد)، واجه حزب جبهة التحرير الوطني (الأفلان) حرجاً سياسياً كبيراً إثر إيداع أحد مترشحي قائمته الحبس الاحتياطي. وجاء هذا الإجراء القضائي على خلفية عملية أمنية استهدفت "قاعة شاي" يملكها المترشح (وهو نجل برلماني سابق عن الحزب نفسه)، أسفرت عن ضبط مواد مخدرة وتوقيف عدة أشخاص بتهم تتعلق بالاتجار بالسموم والمساس بالآداب العامة. ورغم تأجيل المحاكمة، فإن القضية ألقت بظلالها على الحملة الانتخابية وفتحت باب التساؤلات حول معايير تزكية المترشحين.
وفي سياق موازٍ، تلقت الخارطة الانتخابية صدمة أخرى عقب إسقاط قوائم بأكملها لأحزاب ومستقلين تحت طائلة شبهات "المال الفاسد". وكان اللافت في هذا الإجراء إقصاء قائمة حزب «حركة البناء الوطني» في الدائرة المحورية بالعاصمة، رغم تجاوزها الفرز الأولي. وأثار القرار لغطاً قانونياً وسياسياً كبيراً لصدوره بعد انقضاء المهلة القانونية لاستبدال المترشحين المستبعدين، ما يهدد بحرمان قوى سياسية بارزة من التنافس في قلاع انتخابية رئيسية. ولم تتوقف أزمات "حركة البناء" عند هذا الحد، بل تزامنت مع عارض صحي طارئ ألمَّ برئيسها عبد القادر بن قرينة، نقل إثره إلى المستشفى عقب تجمع شعبي ببومرداس، قبل أن يتماثل للشفاء ويعود للميدان.
ولم تنحصر مفاجآت الاستحقاق داخل الحدود، بل امتدت إلى الساحة الدولية بعد دخول رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، على خط السجال. إذ طالبا ايفانتينو السلطات الجزائرية بالإفراج عن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، الموقوف في قضايا ذات صلة بالإرهاب، لتمكينه من تغطية منافسات كأس العالم.
وفي السياق سارعت القيادات الحزبية إلى توظيف هذا التدخل في خطابها الدعائي، مجمعةً على اعتباره تجاوزاً سافراً لمهام مؤسسة رياضية دولية، وتدخلاً فجاً في السيادة الوطنية والمنظومة القضائية للبلاد.
في المقابل، رأت قوى سياسية وإعلامية محلية أن توقيت هذه التصريحات يحمل أبعاداً سياسية تهدف إلى التشويش والتغطية على الثغرات التنظيمية التي تشوب البطولة العالمية. وذهبت القراءات التحليلية إلى أن استغلال منصة "المونديال" لإثارة ملف قضائي داخلي يمثل سابقة تضرب مبدأ احترام استقلال الدول وأجهزتها السيادية.
تؤكد هذه المؤشرات الراهنة أن الحملة الانتخابية بالجزائر قد انحرفت مبكراً عن مسارها التقليدي المرتكز على التنافس البرامجي، لتبحر في أمواج متلاطمة من الأزمات القضائية، والمناورات السياسية، والتجاذبات الخارجية، مما يضفي على مشهد "ما قبل الاقتراع" تعقيداً تضاعف من حساسية الرهانات المقبلة.
