أمريكا تفرض عقوبات على الجنائية الدولية.. حماية للسيادة أم محاولة لتعطيل العدالة؟
عقوبات أمريكية تستهدف مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية ومؤسساتها الداعمة، وسط سجال بين واشنطن ومنتقديها حول السيادة الوطنية ومخاوف من تقويض العدالة الدولية وحماية مسؤولين إسرائيليين من المساءلة.

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة والمؤسسات القضائية الدولية مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، عقب فرض واشنطن حزمة عقوبات جديدة وشاملة على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وشملت العقوبات القضاة وكبار الموظفين والمستشارين، امتداداً إلى المؤسسات البحثية والقانونية المساندة للمحكمة حول العالم، في خطوة علنية يستهدف منها واشنطن قطع قنوات التمويل وتعطيل قدرة المحكمة التشغيلية.
وفي مناظرة إخبارية شائكة بثتها قناة i24NEWS وأدارها الإعلامي أدهم حبيب الله، انقسمت الآراء بين المحللين حول تداعيات هذا القرار على مستقبل منظومة العدالة الدولية والسيادة الوطنية للدول.
واشنطن تصعّد: حماية السيادة وقطع التمويل
أوضح وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، موقف بلاده بالقول إن الولايات المتحدة لن تسمح للمحكمة بتهديد السياسة الأمريكية أو المضي قدماً في محاكمة مسؤولين أو جنود أمريكيين وحلفاء لها.
وفي هذا السياق، شدد المستشار السابق في الخارجية الأمريكية من واشنطن، حازم الغبرة، على أن الاستراتيجية الأمريكية تتجه صراحة نحو إضعاف أو تفكيك الآليات القضائية الدولية التي تتجاوز حدود الاختصاص، مشيراً إلى أن غالبية القوى الكبرى—بما فيها أمريكا وروسيا والصين—رفضت المصادقة على نظام روما الأساسي حمايةً لسيادتها الوطنية. وأضاف الغبرة أن المحكمة خلال ربع قرن لم تنجح في إيقاف الحروب أو فرض الأمن، بل تحولت إلى أداة تُستغل سياسياً وتتدخل في التسويات والمناورات الإقليمية.
انتقادات أوروبية وإدانة لـ"بلطجة القانون"
على الجانب الآخر، أثارت العقوبات الأمريكية موجة انتقادات واسعة، تقدمها الاتحاد الأوروبي الذي اعتبر الخطوة بمثابة "حرب على القانون الدولي".
ومن باريس، وصف رئيس مركز باريس للدراسات الأمنية والعلاقات الدولية، د. عادل الغول، الإجراءات الأمريكية بـ"البلطجة القانونية والسياسية"، معتبراً أن الاستهداف الأمريكي يهدف لحماية النفوذ وحجب القيادات الإسرائيلية—وعلى رأسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو—عن المساءلة بشأن الاتهامات الموجهة إليهم بضلوعهم في جرائم حرب وغزة. وأكد الغول أن مذكرات الاعتقال الصادرة عن لاهاي تظل مكسباً قانونياً وأخلاقياً يوثّق الجرائم ويفرض قيوداً حقيقية على حركة المسؤولين الملاحقين دولياً.
مستقبل المنظومة الدولية على المحك
تأتي هذه الأزمة بالتزامن مع تتويج القاضية السابقة بالمحكمة، نافي بيلاي، بجائزة نوبل للسلام، ما يعكس حجم الشرخ العميق بين الاعتراف الدولي بدور هيئات العدالة وبين اندفاع القوى العظمى لتجريدها من صلاحياتها. وبينما ترى واشنطن في خطواتها دفاعاً مشروعاً عن سيادتها وحلفائها، يحذّر مراقبون من أن شل حركة المحكمة الجنائية الدولية قد يرسخ واقعاً جديداً يغلب فيه منطق القوة على سيادة القانون الدولي
