حمّى الذهب الأسود: سباق التسلح العالمي يعيد الفحم إلى الواجهة
الفحم، الذي اعتُبر لعقود كمصدر طاقة ملوث وقديم، يشهد مؤخرا نهضة مفاجئة في العديد من مناطق العالم •هل ستصبح الاستقلالية الطاقوية هي المعيار الرئيسي الذي سيحدد قوة الدول والعشرين - على حساب جودة البيئة؟


الفحم، الذي كان يُعتبر لعقود كمصدر الطاقة الأكثر تلوثًا وقدَمًا في عصر الثورة الصناعية، يشهد في السنوات الأخيرة نهضة مفاجئة في العديد من مراكز القوى حول العالم. بعد عقد من الالتزامات البيئية الدولية، وإغلاق محطات توليد الطاقة العاملة بالفحم، والاستثمارات الضخمة في الطاقة الخضراء، حسمت الواقع الجيوسياسي والأزمات الطاقوية السوق. أزمة الطاقة العالمية، التي اندلعت إثر الحرب في أوكرانيا والاضطرابات في سلاسل التوريد، أجبرت العديد من الدول على الاختيار بين أهداف المناخ والأمن الطاقوي الفوري. والنتيجة هي ارتفاع الطلب، وإعادة فتح المناجم، وتمديد عمر محطات توليد الطاقة بالفحم.
في الساحة المؤسسية الدولية، تجد شركات عملاقة في مجال التعدين والتجارة مثل جلنكور، BHP وريو تينتو، إلى جانب شركات الطاقة الوطنية في الصين والهند، نفسها في مركز ربح تشغيلي هائل. بينما حاولت الضغوط التنظيمية والمستثمرون في الغرب منع تمويل مشاريع الفحم، أدى الطلب غير القابل للتنازل في آسيا وأجزاء من أوروبا إلى خلق سوق بديلة مزدهرة. تخصص هذه الشركات الموارد لتوسيع القدرة الإنتاجية، مع استخدام تقنيات تسويق تلتف على التنظيم البيئي، مما يعزز قوتها الاقتصادية والسياسية في مواجهة الحكومات المتعطشة إلى كهرباء متوفرة ورخيصة.
التبعات الجيوسياسية والاقتصادية لعودة الفحم واسعة النطاق وتغير ميزان القوى العالمي. سوق الطاقة العالمي يشهد انقسامًا حادًا - ففي حين تحاول دول الغرب الموازنة بين احتياجات اللحظة والتزامات صافي الانبعاثات الصفرية، تؤسس قوى مثل الصين والهند نموها الاقتصادي على الفحم المحلي والرخيص. هذا الوضع يمنح الدول النامية ميزة تنافسية في الصناعة الثقيلة على حساب أوروبا التي تعاني من أسعار طاقة مرتفعة. بالإضافة إلى ذلك، الاعتماد المتزايد على الفحم يغير تحالفات التجارة ويعزز مكانة الدول الرئيسية المصدرة للفحم مثل أستراليا وإندونيسيا وجنوب إفريقيا وروسيا، التي تجد في الأسواق الآسيوية شريان حياة اقتصادي من الدرجة الأولى.
العملية الحالية تُعتبر إشارة واضحة لما هو قادم وتدل على اتجاه عالمي أوسع - قومية الطاقة التي تتغلب على العولمة الخضراء. عندما تدرك الدول أن الاعتماد الحصري على مصادر الطاقة المتجددة أو استيراد الغاز الطبيعي يجعلها عُرضة للابتزاز الجيوسياسي وتقلبات الأسعار، تعود إلى مصادر الطاقة المتوفرة والموثوقة داخل أراضيها. أصبح الفحم رمزًا للاستقلال الطاقوي، ومن المتوقع أن يتوسع هذا النهج ليشمل دولًا أخرى في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، حيث تضع التصنيع والاستقرار الاجتماعي فوق أهداف خفض الانبعاثات.
بالنسبة لإسرائيل، لعودة الفحم معنى عميق وإن كان فريدًا. إسرائيل، التي تعتمد اليوم بشكل أساسي على الغاز الطبيعي المحلي، تمر بعملية تقليص استخدام الفحم في محطات الطاقة في أوروت رابين وروتنبرغ، لكن الأزمة العالمية توضح ضرورة الحفاظ على قدرات احتياطية من الفحم لحالة الطوارئ. في منطقة الشرق الأوسط، الدول التي ليست غنية بالغاز أو النفط، مثل الأردن ومصر، تتأثر مباشرة بارتفاع أسعار مصادر الطاقة البديلة في السوق العالمية. هذا الوضع يعزز المكانة الجيوسياسية لإسرائيل كمزود مستقر للغاز الطبيعي في المنطقة، ويقوي تحالفاتها الاستراتيجية مع جيرانها في أوروبا والشرق الأوسط الساعين إلى بدائل للطاقة الملوثة أو غير المستقرة.
عودة الفحم إلى الواجهة ليست مجرد حدث عابر، بل تذكير مؤلم بالقيود التي يفرضها الانتقال الطاقوي العالمي في مواجهة واقع جيوسياسي معقّد. الصراع بين الدافع البيئي والاحتياجات الاستراتيجية الفورية يفتح فجوات واسعة بين الكتل الاقتصادية ويعيد صياغة مصلحة الأمن القومي. هذا الوضع يثير تساؤلات صعبة بشأن مستقبل الاتفاقيات المناخية الدولية: هل سيتمكن الغرب من الاستمرار في قيادة سياسة خضراء بينما يختار بقية العالم الطاقة الرخيصة والمتوفرة، وهل ستصبح الاستقلالية الطاقوية المؤشر الرئيسي الذي سيحدد متانة الدول في القرن الحادي والعشرين؟