- i24NEWS
- الحرب في إسرائيل
- هل ينهار مسار السلام التركي الكردي؟ تباطؤ التفاهمات يفاقم التوتر السياسي والأمني
هل ينهار مسار السلام التركي الكردي؟ تباطؤ التفاهمات يفاقم التوتر السياسي والأمني
خلافات حول نزع السلاح والإصلاحات السياسية تعمّق الجمود بين أنقرة و"العمال الكردستاني" وسط مخاوف من انهيار مسار التهدئة

دخلت عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني مرحلة من الجمود السياسي والأمني، بعد أشهر من الإعلان عن حل الحزب لنفسه وإنهاء العمل المسلح، في وقت تتبادل فيه أنقرة وقيادات الحزب الاتهامات بشأن تعطيل تنفيذ التفاهمات. ويأتي هذا التباطؤ وسط تحولات إقليمية متسارعة، أبرزها الحرب على إيران، وتزايد القلق داخل المؤسسة التركية من انعكاسات أي تنازلات سياسية على الداخل التركي.
ورغم أن الحكومة التركية تواصل الحديث عن أجواء إيجابية ضمن مشروع "تركيا خالية من الإرهاب"، فإن المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن المسار يواجه اختباراً حقيقياً، خصوصاً مع توقف الخطوات التشريعية التي كان يُفترض أن ترافق عملية نزع السلاح، مقابل تمسك أنقرة بالحصول أولاً على ضمانات أمنية كاملة وتفكيك البنية العسكرية للحزب.
اتهامات كردية لأنقرة بتجميد العملية
قيادات بارزة في حزب العمال الكردستاني اتهمت السلطات التركية عملياً بوقف مسار السلام، معتبرة أن أنقرة تتعامل مع المبادرة بمنطق "الاستسلام الكامل" لا التسوية السياسية. وقال عضو اللجنة التنفيذية للحزب مراد قره يلان إن السلطات التركية لم تتخذ "أي خطوات ملموسة" رغم قيام الحزب بإجراءات وصفها بالاستراتيجية، بينها إعلان حل التنظيم وتسليم دفعات رمزية من السلاح في إقليم كردستان العراق.
وتشدد قيادات الحزب على أن استمرار العملية يتطلب خطوات تركية مقابلة، في مقدمتها تحسين ظروف زعيم الحزب عبد الله أوجلان، والسماح له بلعب دور مباشر في إدارة المفاوضات، إلى جانب إقرار تشريعات قانونية تنظم مستقبل المقاتلين وتفتح المجال أمام دمجهم السياسي والمدني.
كما يتهم حزب "ديم" الكردي الحكومة التركية بتعطيل التفاهمات، مشيراً إلى انقطاع التواصل مع أوجلان منذ نهاية مارس الماضي، وعدم اتخاذ أي خطوات تشريعية رغم انتهاء اللجنة البرلمانية المكلفة إعداد الإطار القانوني للعملية من توصياتها.
أنقرة تتمسك بمنطق الأمن أولاً
في المقابل، تصر الحكومة التركية على أن نجاح العملية مرتبط أولاً باستكمال نزع السلاح بشكل كامل، قبل الانتقال إلى أي إصلاحات سياسية أو قانونية قد تُفسَّر داخلياً على أنها تنازل لحزب مصنف إرهابياً في تركيا.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكد أخيراً أن العملية "تسير كما ينبغي"، مشيراً إلى تجاوز مراحل حساسة خلال الأشهر الماضية، فيما يواصل شريكه في التحالف الحاكم دولت باهتشلي لعب دور أساسي في إدارة هذا الملف، وصولاً إلى اقتراح منح أوجلان دوراً رسمياً تحت مسمى "مكتب تنسيق عملية السلام والتسييس".
لكن داخل المؤسسة الحاكمة نفسها، تبدو هناك تباينات بشأن توقيت تقديم أي تنازلات سياسية، خصوصاً مع خشية قطاعات قومية تركية من أن يؤدي المسار الحالي إلى إعادة تأهيل الحزب سياسياً دون ضمانات كافية بإنهاء نشاطه العسكري.
السلاح والعراق.. العقدة الأكثر تعقيداً
ورغم الخطوات الرمزية التي نفذها الحزب، تؤكد مصادر أمنية في إقليم كردستان العراق أن كوادر "العمال الكردستاني" ما زالت تنشط في معاقلها التقليدية شمال العراق، لا سيما في مناطق قنديل وزاخو والعمادية وسيدكان، فيما تستمر الطائرات التركية المسيّرة بمراقبة تلك المناطق بشكل دائم.
وتشير تقديرات أمنية عراقية وكردية إلى أن أنقرة تريد خطوات عملية تتجاوز "العروض الإعلامية"، وتشمل إخلاء المواقع العسكرية وتسليم السلاح الثقيل لقوات عراقية أو كردية رسمية، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
وتخشى تركيا من أن يؤدي أي تسرع في تقديم الضمانات القانونية إلى إعادة إنتاج تجربة المفاوضات السابقة التي انهارت بعد سنوات من الحوار، وعادت بعدها المواجهات العسكرية بشكل أعنف.
الحرب الإقليمية تبطئ التفاهمات
التطورات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب على إيران والتوترات المتصاعدة في المنطقة، ساهمت أيضاً في تباطؤ المسار، إذ ترى دوائر سياسية تركية أن أنقرة باتت أكثر حذراً في التعامل مع الملف الكردي خشية أي تحولات جيوسياسية قد تعيد تنشيط التنظيمات الكردية المسلحة في أكثر من ساحة إقليمية.
في المقابل، يعتبر حزب العمال الكردستاني أن أنقرة تستغل المناخ الإقليمي لتأجيل التزاماتها السياسية، ومحاولة فرض معادلة تقوم على نزع السلاح الكامل أولاً، دون تقديم ضمانات حقيقية بشأن مستقبل الأكراد السياسي داخل تركيا.
مفاوضات قائمة.. لكن الثقة غائبة
ورغم أن مسار "تركيا خالية من الإرهاب" لم ينهَر رسمياً، فإن المشهد الحالي يعكس أزمة ثقة عميقة بين الطرفين. فالحكومة التركية تريد ضمانات أمنية مطلقة قبل أي انفتاح سياسي، بينما يرفض الحزب تسليم أوراقه النهائية من دون ترتيبات قانونية واضحة تحمي عناصره وتمنحه حضوراً سياسياً مستقبلياً.
وفي ظل استمرار هذا التوازن الحذر، تبدو عملية السلام التركية أمام مفترق حساس: إما الانتقال إلى تفاهمات أكثر عمقاً تتضمن تنازلات متبادلة، أو الانزلاق مجدداً نحو مرحلة من التوتر الأمني البطيء تحت غطاء "المفاوضات المجمّدة".
