- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- مصر خارج "اتفاق مكة".. غياب مؤقت أم خيار استراتيجي؟
مصر خارج "اتفاق مكة".. غياب مؤقت أم خيار استراتيجي؟
القاهرة شاركت في الآلية الرباعية مع السعودية وتركيا وباكستان، لكنها لم تنضم إلى اتفاق الدفاع المشترك

أثار توقيع السعودية وتركيا وباكستان، "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، تساؤلات حول موقف مصر من الترتيبات الأمنية الإقليمية الجديدة، خصوصًا أن القاهرة كانت حتى وقت قريب جزءًا من إطار رباعي ضم الدول الثلاث، وشارك في سلسلة من المشاورات بشأن أمن المنطقة والتطورات المرتبطة بالحرب الأميركية – الإيرانية.
الاتفاق الذي وقعه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، في صيغة تقترب من مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي، بحسب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
ومع أن الاتفاق قُدم باعتباره دفاعيًا ولا يستهدف دولة بعينها، فإنه يأتي في ظل تصعيد إقليمي واسع، وهجمات إيرانية استهدفت دولًا خليجية، وتزايد النقاش حول قدرة دول المنطقة على بناء ترتيبات أمنية مستقلة في ظل تغير طبيعة الدور الأميركي في الشرق الأوسط.
من الآلية الرباعية إلى الاتفاق الثلاثي
كان اسم مصر حاضرًا بقوة في المشاورات التي سبقت الاتفاق. ففي آذار/مارس الماضي، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في الرياض ضمن آلية رباعية هدفت إلى تعزيز التنسيق بشأن التطورات الإقليمية.
وتواصلت الاجتماعات لاحقًا في إسلام آباد والقاهرة، إلى جانب اتصالات ثنائية مكثفة بين الدول الأربع. وفتح ذلك الباب أمام تقديرات بشأن إمكانية تطور الآلية إلى ترتيب أمني أوسع، بل وذهب بعض التحليلات إلى احتمال أن تشكل نواة لتحالف دفاعي إقليمي.
لكن النتيجة جاءت مختلفة: السعودية وتركيا وباكستان انتقلت إلى توقيع اتفاق دفاعي ثلاثي، بينما بقيت مصر خارجه.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن القاهرة استُبعدت بصورة نهائية. فقد أكد فيدان أن الاتفاق قابل للتوسع، فيما أشار إلى إمكانية انضمام دول أخرى، ومن بينها مصر، مستقبلًا.
لماذا السعودية وتركيا وباكستان؟
لكل طرف في الاتفاق دوافع مختلفة، رغم تقاطع مصالح الدول الثلاث في تعزيز الردع والأمن الإقليمي.
بالنسبة إلى السعودية، يأتي الاتفاق في مرحلة تعيد فيها المملكة تقييم منظومة أمنها بعد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تعرضت لها المنطقة، وفي ظل اضطراب أمن الخليج والبحر الأحمر. كما يمنح الاتفاق الرياض إطارًا إضافيًا لتنويع شراكاتها الدفاعية وعدم الاعتماد على مظلة أمنية واحدة.
أما تركيا، فتحصل أنقرة من الاتفاق على فرصة لتعزيز حضورها بوصفها قوة عسكرية وصناعية دفاعية رئيسية في المنطقة. وتملك تركيا بالفعل علاقات عسكرية وثيقة مع السعودية وباكستان، فيما يوفر الاتفاق منصة لتوسيع التعاون في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والصناعات العسكرية.
بالنسبة إلى باكستان، يرتبط الأمر أيضًا بعلاقاتها العسكرية والتاريخية مع السعودية، إضافة إلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تجمعها بأنقرة والرياض. وتملك إسلام آباد حضورًا عسكريًا قائمًا في السعودية، بينما تمثل الاتفاقية فرصة لتوسيع التعاون الدفاعي وفتح مجالات جديدة أمام صناعاتها العسكرية.
مصر لا ترى التهديدات بالطريقة نفسها
هنا تظهر إحدى أهم نقاط الاختلاف بين القاهرة وشركائها في الآلية الرباعية.
فمصادر التهديد التي تحدد أولويات الأمن القومي ليست متطابقة بين الدول الأربع. باكستان تنظر إلى الهند باعتبارها التحدي الاستراتيجي الرئيسي، بينما تركز السعودية بصورة أكبر على التهديدات المرتبطة بإيران والصواريخ والطائرات المسيّرة وأمن الخليج والبحر الأحمر.
أما تركيا فتتعامل مع خريطة تهديدات أكثر اتساعًا، تشمل سوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز، إلى جانب التزاماتها باعتبارها عضوًا في حلف شمال الأطلسي.
وفي الحالة المصرية، تبدو الأولويات مختلفة. الأمن في غزة وسيناء، الحدود مع ليبيا، الحرب في السودان، البحر الأحمر وباب المندب، أمن قناة السويس، والملف المائي مع إثيوبيا، كلها ملفات تقع في قلب الحسابات الأمنية المصرية.
وبالتالي، فإن توقيع القاهرة على اتفاق دفاع جماعي قد يعني، من الناحية النظرية، التزامها بالتعامل عسكريًا مع أزمات لا تقع بالضرورة ضمن دائرة تهديداتها المباشرة.
الهند وإيران.. معادلتان معقدتان أمام القاهرة
تواجه مصر أيضًا معضلة أخرى تتعلق بعلاقاتها مع أطراف قد تتعارض مصالحها مع مصالح أحد أعضاء الاتفاق.
الهند، على سبيل المثال، طورت القاهرة معها خلال السنوات الماضية علاقات استراتيجية متقدمة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية. وفي المقابل، تعد الهند الخصم الإقليمي الرئيسي لباكستان.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي بالنسبة إلى القاهرة: ماذا سيحدث إذا اندلعت مواجهة مستقبلية بين الهند وباكستان؟ وهل يمكن أن تجد مصر نفسها أمام التزام سياسي أو عسكري تجاه إسلام آباد بموجب اتفاق دفاع جماعي؟
المعادلة أكثر تعقيدًا في الحالة الإيرانية. فالاتفاق الجديد يأتي في بيئة أمنية يُنظر فيها إلى إيران باعتبارها أحد أهم مصادر التهديد بالنسبة إلى السعودية، حتى مع تأكيد الدول الموقعة أن الاتفاق ليس موجهًا ضد دولة محددة.
أما مصر، فرغم التوترات التي شهدتها علاقاتها مع طهران، حافظت على قنوات اتصال ومصالح سياسية لا تبدو راغبة في تحويلها إلى مواجهة مباشرة. كما أن القاهرة تسعى تقليديًا إلى الحفاظ على دور الوسيط في أزمات المنطقة، وليس التحول إلى طرف في محاور عسكرية متنافسة.
سياسة مصر: شراكات متعددة بلا التزامات دائمة
تفضل القاهرة، على مدى السنوات الماضية، اتباع سياسة تقوم على تنويع الشراكات بدل الارتباط بتحالف عسكري واحد.
مصر تحافظ على تعاون عسكري واستراتيجي وثيق مع الولايات المتحدة، وتطور علاقاتها الدفاعية مع دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، بينما وسعت تعاونها مع الصين والهند وتركيا، وحافظت على علاقات وثيقة مع السعودية ودول الخليج.
هذه السياسة تمنح القاهرة هامشًا واسعًا للمناورة. فهي تستطيع التعاون مع أطراف مختلفة في ملفات محددة من دون أن تكون ملزمة تلقائيًا بالدخول في مواجهة عسكرية إلى جانب طرف ضد طرف آخر.
ومن هذه الزاوية، يرى مراقبون أن الانضمام إلى اتفاق ينص على الدفاع المشترك يختلف جذريًا عن التعاون العسكري أو التنسيق السياسي. فالعضوية في تحالف ملزم يمكن أن تضع قيودًا على حرية القرار المصري، وتفرض على القاهرة حسابات جديدة في حال نشوب صراع بين أحد أعضاء الاتفاق ودولة تربطها بمصر علاقات استراتيجية.
أسئلة لم تحسمها الاتفاقية
هناك أيضًا جانب عملي قد يفسر حذر القاهرة: التفاصيل التنفيذية للاتفاق.
فالبيان السياسي الذي ينص على أن الهجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع لا يجيب بالضرورة عن جميع الأسئلة المتعلقة بآلية تنفيذ هذا الالتزام.
من يقرر أن هجومًا ما يستوجب تفعيل الدفاع المشترك؟ وهل يحتاج التدخل العسكري إلى موافقة جميع الأعضاء؟ وما طبيعة المساعدة التي يلتزم كل طرف بتقديمها؟ وهل تكون عسكرية بالضرورة، أم يمكن أن تكون استخباراتية أو لوجستية أو سياسية؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى مصر، التي تملك جيشًا كبيرًا ومصالح أمنية واسعة، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب الدخول في التزامات عسكرية قد تفرض عليها التحرك خارج أولوياتها المباشرة.
هل أُغلِق الباب أمام مصر؟
حتى الآن، لا تبدو الإجابة كذلك.
الاتفاق الثلاثي لا يقدم نفسه بوصفه إطارًا مغلقًا، بل إن القيادة التركية أكدت أن الباب مفتوح أمام دول أخرى ترغب في الانضمام. كما أن وزير الخارجية التركي أشار صراحة إلى مصر باعتبارها دولة يمكن أن تنضم إلى الترتيب في مرحلة لاحقة.
وبالتالي، قد يكون غياب القاهرة عن الاتفاق الحالي أقرب إلى التريث الاستراتيجي منه إلى القطيعة مع المشروع.
القاهرة تملك مصلحة في متابعة تطور الاتفاق، لكنها قد تفضل أولًا معرفة حدوده الفعلية، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة الالتزامات العسكرية، وما إذا كان سيتحول إلى تحالف دفاعي دائم أم سيبقى إطارًا مرنًا للتنسيق الأمني.
القاهرة خارج الاتفاق.. لكنها ليست خارج المعادلة
في المحصلة، لا يعني غياب مصر عن «اتفاق مكة» خروجها من معادلات الأمن الإقليمي. فالقاهرة ما زالت لاعبًا رئيسيًا في ملفات غزة والبحر الأحمر والسودان وليبيا، وتحتفظ بعلاقات مع السعودية وتركيا وباكستان وإيران والولايات المتحدة.
لكن الرسالة الأبرز من عدم انضمامها إلى الاتفاق الثلاثي تبدو مرتبطة برغبة مصرية في الحفاظ على هامش الحركة والاستقلال في القرار الأمني.
وبينما اختارت السعودية وتركيا وباكستان الانتقال من التنسيق السياسي إلى التزام دفاعي مشترك، اختارت القاهرة حتى الآن البقاء على مسافة من هذا النوع من الالتزامات.
لذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كانت مصر «خارج» الاتفاق، وإنما ما الشروط التي قد تدفعها مستقبلًا إلى الدخول فيه، وما الذي ستطلبه القاهرة مقابل التخلي عن سياسة التريث والحفاظ على مسافة واحدة من التحالفات الإقليمية؟
