علاقات إسرائيل وسويسرا.. حياد يحمل مفاجآت غير متوقعة
تجارة ثنائية حطمت أرقاماً قياسية وشركات إسرائيلية تعتمد على الأدوية السويسرية، لكن برن جمّدت تصاريح السلاح، وصوتت ضد إسرائيل وتدير تحقيقاً ضخماً حول حسابات نازية بمصارفها • إذاً ما هي قصة سويسرا؟

وصلت الشراكة الاقتصادية والعلمية بين إسرائيل وسويسرا إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق في عام 2024، وذلك رغم التوترات السياسية الحادة حول الحرب في غزة. تكشف بيانات قاعدة بيانات UN COMTRADE أن سويسرا أصبحت ثالث أهم مصدر واردات لإسرائيل (بعد الولايات المتحدة وألمانيا)، بحجم تجارة سلع يُقدّر بـ5.15 مليار دولار. الفجوة بين المستوى السياسي، الذي ينتقد إسرائيل بشدة في المؤسسات الدولية في جنيف، وبين المستوى الاقتصادي، ترسم واقعاً معقداً من "الحياد السويسري" الذي يسمح بالتعاون تحت النار.
على الصعيد الدبلوماسي، تنشط سويسرا بشكل متواصل ضد إسرائيل في المنتديات الدولية. كعضو غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (2023-2024)، صوتت سويسرا لصالح جميع قرارات وقف إطلاق النار في قطاع غزة. وقد صرحت السفيرة السويسرية في الأمم المتحدة، باسكال باريشويل، أن العملية الإسرائيلية في رفح "غير مقبولة".
ذُكر حدث بارز في مارس 2025، عندما خططت سويسرا لعقد مؤتمر دولي حول "الأراضي الفلسطينية المحتلة". أُلغي المؤتمر في اللحظة الأخيرة، في 6 مارس 2025، نتيجة لضغط دبلوماسي شديد من وزارة الخارجية الإسرائيلية وإدارة ترامب.
على الرغم من الإلغاء، أوضحت سويسرا أنها تعتبر موقفها "حياداً قانونياً" يتيح لها التحدث مع جميع الأطراف، بما في ذلك إيران وحماس.
الجبهة الاقتصادية: فارما، ألماس وهايتيك
تحت الرادار السياسي، تزدهر العلاقة الاقتصادية. شركتا الأدوية العملاقتان "روش" (Roche) و"نوفارتيس" (Novartis) تشكلان دعائم أساسية في نظام الصحة الإسرائيلي. في عام 2024 صدّرت سويسرا إلى إسرائيل بضائع بقيمة 4.57 مليار دولار، بينما بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية إلى سويسرا 580 مليون دولار، معظمها في قطاع الألماس والمواد الكيميائية.
بالإضافة إلى ذلك، تعزز التعاون العلمي مع انضمام سويسرا رسميًا إلى برنامج "هورايزن أوروبا" في نوفمبر 2025. إسرائيل، التي تُعتبر رائدة في منح البحث في البرنامج بنسبة نجاح تبلغ 23.6%، تتعاون مع باحثين سويسريين في مشاريع بقيمة مليارات اليورو.
وفي غضون ذلك، وفي خطوة تاريخية، أقر البرلمان السويسري قانونًا يحظر نشاط حركة حماس، والذي سيدخل حيز التنفيذ في 15 مايو 2025. ينص القانون على عقوبة تصل إلى 20 سنة سجن للناشطين في التنظيم. ومع ذلك، وبالتوازي مع هذا الحظر، تفرض سويسرا "حظرًا صامتًا" على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، حيث أعلنت الحكومة أنه لم تُمنح تراخيص لتصدير أسلحة هجومية منذ عدة سنوات.
في المقابل، كشفت تقارير لوسائل إعلام سويسرية (SWI و-RTS) في مايو 2025 أن شركات سويسرية زودت إسرائيل بتقنيات "ذات الاستخدام المزدوج" (مثل أجهزة القطع بالليزر) بقيمة تزيد عن 30 مليون دولار، والتي استُخدمت في الصناعات الدفاعية، بما في ذلك "إلبِت سيستمز".
من الكونغرس إلى الحسابات الخاملة
العلاقات بين الدولتين تستند إلى تاريخ طويل بدأ في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل (1897). ومع ذلك، فإن التاريخ ملطخ أيضاً برفض لاجئين يهود أثناء الهولوكوست وبقضية "الحسابات النائمة". في عام 1998 دفعت البنوك السويسرية 1.25 مليار دولار للناجين من الهولوكوست، وفي عام 2025 تم الكشف عن وثائق إضافية تشير إلى مليارات أخرى مرتبطة بالنازيين في بنك "كريدي سويس".
حالياً، يواجه المجتمع اليهودي في سويسرا، الذي يبلغ عدده حوالي 18,600 نسمة، ارتفاعاً غير مسبوق في معاداة السامية. في عام 2024 تم تسجيل 221 حادثة معاداة للسامية، وهو ارتفاع بنسبة 287% مقارنة بعام 2022. واضطرت الحكومة السويسرية إلى زيادة تمويل تأمين المؤسسات اليهودية إلى حوالي 5 ملايين فرنك سنويًا.
سويسرا هي شريك اقتصادي استراتيجي لا بديل له، لكنها على الصعيد السياسي تُعد أحد التحديات الأكثر تعقيدًا. حيادها يتيح لها أن تكون "وسيطًا" أمام طهران (حيث تمثل المصالح الأمريكية)، لكنها أيضًا تشكل ساحة قانونية معادية تهدد مسؤولين إسرائيليين.
