القبة الحديدية للبيع؟.. الثمن الحقيقي لخصخصة شركة "رفائيل" الإسرائيلية
المعركة على هوية مالكي الشركة التي طورت "القبة الحديدية" و"درع النور" تتجاوز بكثير صفقة مالية • بين رأس المال الأجنبي، الضغوط من واشنطن وتوازن الرعب مع إيران - تقف إسرائيل أمام المعضلة الاستراتيجية


خصخصة "رفائيل"، إحدى الشركات الأمنية المركزية في إسرائيل والذراع التكنولوجي الرائد لتطوير أنظمة الدفاع الإستراتيجية، تتعدى بكثير كونها مجرد تطور آخر في الاقتصاد الإسرائيلي. الخطوة التي تدفع بها الحكومة ليست أقل من حدث جيواستراتيجي حاسم، تضع إسرائيل عند مفترق طرق حساس - بين مصالح الأمن القومي والاستقلال التكنولوجي وبين علاقات المال والسلطة العالمية. المعركة على هوية المالكين المستقبليين للشركة التي تقف خلف "القبة الحديدية"، و"عصا السحر"، ومنظومة الليزر "درع النور" تتجاوز المجال المالي وتمس صميم السيادة والردع الإسرائيلي.
على الصعيد الاقتصادي، قد تؤدي خطوة الخصخصة الجزئية أو الكاملة إلى ضخ مليارات الشواقل في خزينة الدولة الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه تحرير شركة رفائيل من القيود البيروقراطية التي تعيق قدرتها على المنافسة في سوق الأمن العالمي. كشركة حكومية، تخضع رفائيل حالياً لقيود صارمة على الأجور، وإجراءات شراء بطيئة، ورقابة مشددة – وهذه عوائق تضر بقدرتها على استقطاب الكفاءات الرائدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. من جهة أخرى، فإن فتح الباب أمام المستثمرين الاستراتيجيين أو عامة الجمهور يثير مخاوف ملموسة – مثل الاعتماد على اعتبارات الأرباح قصيرة الأجل للمساهمين، والتي قد تأتي على حساب مشاريع وطنية طويلة الأمد ليست مجدية اقتصادياً على المدى الفوري، لكنها حاسمة لأمن الدولة.
في الساحة الدولية والإقليمية، نقل السيطرة أو حتى حصة مركزية من شركة كهذه يتطلب تدقيقًا مكثفًا في هوية المستثمرين. دخول رؤوس أموال أجنبية – من صناديق ثروة خليجية، مرورًا بمستثمرين أمريكيين ووصولاً إلى جهات ذات صلة بالشرق الأقصى – سيحدد من جديد خارطة العلاقات الإسرائيلية. في حين أن هذه الخطوة قد تعزز التحالفات الاقتصادية والتكنولوجية مع دول الخليج بروح اتفاقيات إبراهيم أو تقوي ارتباط الصناعة الإسرائيلية بواشنطن، إلا أنها تثير أيضًا مخاوف كبيرة من تسرب التكنولوجيا الحساسة وحدوث هزات في الأنظمة الأساسية.
بالنسبة للقوى العظمى, الخطوة تُعد فرصة ومخاطرة في آن واحد. الولايات المتحدة، الشريك المركزي في تمويل وتطوير مشاريع الدفاع الجوي، ستفحص كل تغيير في الملكية للتأكد من أن الأسرار التكنولوجية لن تتسرب إلى بكين أو موسكو. من الجهة الأخرى، قد ترى الصين وروسيا في التغيير البنيوي فرصة لاكتساب نفوذ غير مباشر أو، بدلاً من ذلك، وسيلة لكبح الصادرات الأمنية الإسرائيلية إلى الأسواق النامية.
حتى في الشرق الأوسط، يتأثر توازن القوى بشكل مباشر بالقدرة التكنولوجية لإسرائيل على الحفاظ على ميزة الردع. دول المنطقة، وعلى رأسها إيران وحلفاؤها، تراقب عن كثب التطورات – هل الخصخصة ستؤدي إلى إنشاء آلية أكثر فعالية وسرعة لتطوير أسلحة متقدمة، أم أنها ستؤدي إلى تآكل استقلالية الجهاز الأمني وقدرته على تطوير أنظمة مصممة خصيصاً لاحتياجات الجيش الإسرائيلي؟ الجواب على هذا السؤال يمس مباشرةً جوهر توازن الرعب الإقليمي.
في نهاية المطاف، خصخصة رفائيل هي مناورة معقدة – فهي تعرض تحديثًا ومرونة مالية، لكنها تأتي مع ثمن استراتيجي وخطر على حرية العمل لإسرائيل. هل دولة يعتمد وجودها على التفوق التكنولوجي يمكنها أن تضع بنىها التحتية الأساسية في أيدٍ خاصة؟ وهل الفائدة الاقتصادية للخزينة العامة ستكون متوازنة على المدى البعيد مع فقدان السيطرة الحصرية على أصول الدفاع الوطني؟ يبدو أن هذا القرار لن يُتخذ من منظور اقتصادي بحت، بل من خلال قرار سيعيد تحديد حدود السيادة الأمنية لإسرائيل في القرن الحادي والعشرين.