المرأة التي حكمت كفرعون - ومُحيت من ذاكرتنا جميعاً
لمدة 2000 عام لم يكن أحد يعلم أنها ملكة مصر،حتى اكتشف علماء الآثار الثقب الذي انفتح بالحجر•لمحة على أكثر أساليب القمع تعقيداً–من تحطيم التماثيل بروما القديمة وحتى "100عام من الإذلال" في الصين الحديثة


"التاريخ يكتبه المنتصرون" - عبارة مستهلكة، لكنها في الواقع آلية قوة. من ينتصر في المعركة لا يكتفي بالأرض أو بالسلاح أو بالمال. هو يريد أيضاً السيطرة على ما يُروى عن الماضي. من سيُعتبر بطلاً، من سيُمحى، وأي أحداث ستظهر أصلاً في كتب التعليم. المعركة الحقيقية لا تنتهي في ساحة القتال، بل تستمر في الأرشيفات، في المتاحف وفي كتب الأطفال.
مصر القديمة: محو فرعون أنثى
القصة الأكثر واقعية بدأت بكثير قبل بوتين و"الأخبار الكاذبة". في مصر القديمة، حتشبسوت - امرأة حكمت كفرعون، أصبحت هدفًا للمحو بعد موتها. خليفتها، تحتمس الثالث، أمر بمحو اسمها من جدران المعابد، وإزالته من الخراطيش، ونحت حول صورتها حتى تختفي من النقوش البارزة. تمت إعادة كتابة آلاف النقوش من جديد، حيثما كان اسمها، دخل اسمه، وأصبحت كأنها شبح. لأكثر من ألفي عام، بدا وكأن لم تكن هناك أبداً فرعون امرأة كهذه. فقط في القرن التاسع عشر تعرف علماء الآثار أن تصميم المقابر النسائي، وبقايا نقوش محفورة، وعدم الاتساق في تسلسل الملوك - تدل على أن أحداً حاول بقوة محو حكم كامل.
هذا ليس حادثًا فرديًا. فرعون آخر، أخناتون، حاول محو الإله آمون واستبدال الديانة المصرية بالتوحيد حول أتون. بعد موته، ورثته محوا اسمه وصورته، أعادوا آمون وأخفوا "الانحراف" من الذاكرة الرسمية. مرة بعد مرة، من انتصر – أعاد كتابة قائمة الملوك وجدول الآلهة.
روما تخترع "حكم النسيان"
حتى أن الرومان أطلقوا على الظاهرة اسم: damnatio memoriae – دمناتيو ميموريا، حكم هدفه ليس قتل الجسد، بل قتل الذاكرة. بعد انتحار الإمبراطور نيرون في سنة 68 للميلاد، أُسقطت تماثيله، وقُشرت صوره عن النقود، ومُحي اسمه من النقوش. كان يمكن للإمبراطور التالي أن يقول: "هو ليس جزءًا من قصتنا."
الحالة الأكثر تطرفاً كانت جيتا، شقيق الإمبراطور ماركوس أوريليوس أنتونينوس الملقب كاراكلا. كاراكلا قتله – ثم أمر بمحو أثره من الواقع. نُقشت آلاف النقوش من جديد، ونحتت التماثيل بحيث أزيل وجه جيتا، وكل من يُقبض عليه يذكر اسمه – كان يعرّض حياته للخطر. بقي بورتريه شهير واحد مع "لطخة" غريبة في الحجر: المكان الذي كان فيه وجه جيتا، قبل أن يُمحى فعلياً.
هنا أيضاً الرسالة واضحة: إذا لم يكن هناك ذاكرة – لن تكون هناك أيضاً حجة سياسية. من لا يظهر في قائمة الأباطرة، لا يمكن أن يكون بديلاً، حتى في الخيال.
من الهيكل إلى ساحة الإنترنت
لننتقل إلى أيامنا هذه. التكنولوجيا تغيرت – لكن الحيلة هي نفس الحيلة. في روسيا تحت حكم بوتين، "الحرب الوطنية العظمى" هي تقريبًا دين مدني. الانتصار على النازيين يُعرض كقصة بطولة مثالية: الشعب الروسي ضحى بـ27 مليون شخص، انتصر على الشر المطلق، وصنع لنفسه مكانة أخلاقية أبدية. للتفاصيل الصغيرة – لم يبق مكان. الاتفاق مع هتلر موجود في الهامش. المسؤولية السوفيتية عن جرائم الحرب والقمع مخفية وسط ضوضاء مواكب النصر. الذاكرة هنا تُستخدم كمبرر: إذا كنا قد حاربنا الفاشية في ذلك الوقت، فمسموح لنا اليوم أن نتصرف في أوكرانيا باسم "إزالة النازية".
في الصين، شي جين بينغ يبني حول هذا سردية كاملة: "مئة عام من الإهانة". حروب الأفيون، الاحتلال الياباني، التدخل الغربي – جميعها تُجمع لحكاية متماسكة واحدة عن شعب مُهان نهض بفضل الحزب الشيوعي. هذا يدخل إلى كتب التعليم، ومراسم الذكرى، والأفلام والمسلسلات. ماذا لا يوجد له مكان؟ اللحظات التي تضررت فيها المواطنين من السلطة نفسها – مثل مذبحة تيان آن مين مثلاً. الحدث ليس فقط خاضعاً للرقابة على الإنترنت؛ بل أيضاً غائب عن الذاكرة الجماعية الرسمية. طفل ينشأ اليوم في بكين يستطيع أن يروي بالتفاصيل عن 1840 – لكنه لا يعرف ماذا حدث عام 1989، أمام الدبابات.
"مأساة متبادلة"، "ضحية بريئة": عندما تستبدل الكلمات الواقع
تركيا، على سبيل المثال، لا تمحو التماثيل – بل تمحو المفاهيم. الإبادة الجماعية للأرمن، التي قُتل فيها نحو مليون ونصف أرمني على يد الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، تكاد لا توجد في الخطاب الرسمي. بدلاً من "الإبادة الجماعية"، تتحدث الدولة عن "مأساة متبادلة" و"فوضى الحرب". قوانين إسكات، اضطهاد المثقفين، وصراعات دبلوماسية مع الدول التي تعترف بالإبادة الجماعية – هذه هي الوسائل الحديثة لـ damnatio memoriae: لا يتم محو الجثث، بل يتم محو الكلمات.
في بولندا، مسرح المحرقة، يدور نقاش من نوع آخر: كيف يمكن أن تكون ضحية وأحياناً شريكًا في الوقت نفسه؟ ستة ملايين بولندي قُتلوا – يهود وغير يهود – لكن الأبحاث التاريخية تكشف أيضًا عن حالات تعاون محلي، ومجازر بعد الحرب مثل كيلتسه. بدلاً من مواجهة التعقيد، حاول قانون "المحرقة" الذي سُن عام 2018 حماية صورة "الضحية النقية": يُحظر قول "معسكرات الإبادة البولندية"، ويُحظر التلميح إلى مسؤولية وطنية. هنا أيضًا، المعركة ليست فقط حول ما حدث – بل حول كيف يُسمح بالحديث عنه.
ماذا تبقى لدينا في اليد؟
إذاً مع ماذا بقينا؟ مصر تنحت الحجارة من جديد، روما تزيل التماثيل، وتركيا تسن القوانين – ما القاسم المشترك؟ المنتصرون يحرصون على أن يتماشى الماضي مع الحاضر الذي يريدونه. التاريخ الحقيقي رمادي، مليء بالتناقضات، شخصيات معقدة، أبطال تحيط بهم بقع دماء. لكن الأساطير هي التي تُبقي الدول: فهي تُربي، توحد وتبرر الحروب والقرارات.
طالما أن من في السلطة يمسك بالقلم – أو اليوم، بالخوارزمية – فما نتعلمه في المدرسة، نراه في المتحف أو نحصل عليه في صفحات التغذية (الفيد)، ليس هو "الماضي" كما كان، بل هو النسخة التي قرر المنتصرون أنها ستخدمهم بأفضل شكل. المعركة على الذاكرة لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض – لأن من يقرر ما الذي يتذكره الشعب، يقرر أيضاً ما الذي يكون الشعب مستعداً لتبريره.