أزمة المواليد تهدد الغرب.. هل يواجه العالم المتقدم خطر الانكماش السكاني؟
في الوقت الذي يحذر فيه العالم من انفجار سكاني، تواجه العديد من الدول في أوروبا وشرق آسيا العكس تمامًا•بتلك الدول معدلات الولادة منخفضة للغاية، ما يتحول إلى أزمة ديموغرافية حقيقية تهدد استمرارية وجودها

على مدى عقود، كان الكابوس الأكبر للبشرية هو الاكتظاظ السكاني – سيناريوهات رعب لانفجار سكاني، مجاعات جماعية نتيجة نقص الغذاء، وعالم لا يوجد فيه مكان كافٍ للجميع لأن الأرض ببساطة غير قادرة على استيعاب عدد الناس. لكن بينما كنا نقلق، حدثت تحت السطح ثورة هادئة ومرعبة لا تقل خطورة: نحن ببساطة نتوقف عن إنجاب الأطفال. من طوكيو حتى روما، ومن سيئول حتى برلين، لم يعد القادة يحاولون تقليل معدلات الولادة – بل يتوسلون إلينا أن نعود إلى غرف النوم.
القلق الديموغرافي الجديد لم يعد مجرد نظرية لمعظم دول الغرب. نحن نتحدث عن حرب من أجل المستقبل الاقتصادي، والحكومات مستعدة لإنفاق المليارات عليها. مكافآت نقدية، دعم رياض الأطفال، إجازات أمومة سخية - كل شيء مطروح على الطاولة.
على الرغم من الشيكات المفتوحة والوعد بمزايا مغرية من قبل الحكومات، معدلات الولادة ترفض الارتفاع. عدد كبير من الدول في العالم يواجه تصادماً مباشراً بين نظام اجتماعي بُني على نمو لا نهائي وبين واقع من الانكماش المؤلم.
الحساب البسيط للنقص
في قلب الأزمة تقف معادلة رياضية قاسية وبسيطة: عدد أقل من الأطفال اليوم يعني عدد أقل من العاملين غدًا. معظم الدول المتقدمة بنت سياساتها الاجتماعية - مثل المعاشات التقاعدية، أنظمة الصحة والتأمين الوطني - على شكل هرم: في القاعدة يقف جيش كبير من الشباب العاملين ودافعي الضرائب الذين يحملون على ظهورهم مجموعة صغيرة من المتقاعدين.
لكن مع انخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط العمر المتوقع، ينقلب هذا الهرم. فبينما كانت الفئات العمرية الشابة تشكل غالبية السكان في الماضي، نرى اليوم أن كبار السن هم من يستحوذون على الحصة الأكبر من التركيبة السكانية. وفجأة، تجد فئة صغيرة من الشباب المنهكين نفسها مضطرة لتمويل نظام رعاية صحية مكلف ومعاشات تقاعدية لشريحة ضخمة من كبار السن.
إذا نظرنا إلى دولة مثل النيجر في إفريقيا، حيث معدل الولادات مرتفع جدًا ويبلغ 6.2 أطفال في المتوسط لكل امرأة، ومتوسط العمر المتوقع هو 63 سنة، فإن العمر الوسيط في الدولة يبلغ 15.7 سنة، ما يشير إلى وجود سكان شباب جدًا. هذا الرقم أقل بكثير مقارنة بدولة غربية مثل ألمانيا، حيث متوسط العمر المتوقع أعلى بشكل كبير ويصل إلى 82.3 سنة، لكن معدل الولادات هو 1.35 طفل لكل امرأة، ما يجعل العمر الوسيط في الدولة 45.7 سنة.
للمقارنة، متوسط العمر العالمي هو 31 سنة. عند النظر إلى رسم بياني للسكان في كلا البلدين مقسم حسب الفئات العمرية، يمكن بالفعل رؤية التباين الناتج عن الفروق في معدلات المواليد.
اليابان هي المختبر الحي لهذا الكابوس. مع معدل خصوبة منخفض جداً يبلغ 1.14 طفل لكل امرأة، ومتوسط العمر المتوقع الأعلى في العالم (85.3 سنة)، فإن عدد السكان في الدولة يتقلص منذ سنوات. لعشرات السنين تستثمر اليابان كل سنت ممكن في تشجيع إقامة العائلات، لكن عدد الولادات يستمر في تحطيم أرقام سلبية قياسية كل عام. النتيجة - قوة عاملة تتلاشى تدريجياً، ونظام رفاه يكافح للبقاء صامداً في واحدة من أكثر المجتمعات شيخوخة في العالم.
إيطاليا ليست بعيدة في الخلف، مع معدل خصوبة مماثل ومتوسط عمر متوقع يبلغ 84.1 سنة. رغم "مخصصات الأطفال الموحدة" والمكافآت على الولادة، بقي معدل الخصوبة منخفضًا بشكل ملموس عن مستوى الإحلال - عدد الأطفال المطلوب لكل زوجين للحفاظ على مستوى السكان، والذي يبلغ 2.1 طفل لكل امرأة. هذا يترك إيطاليا مع اقتصاد متعثر، شباب عاطلين عن العمل وعبء مالي يزداد ثقلًا باستمرار.
الخيار الذي يواجه هذه الدول في المستقبل القريب هو خيار مستحيل: زيادة الضرائب بشكل حاد على القوى العاملة المتقلصة، تقليص المخصصات للمسنين، أو الغرق في ديون ضخمة. التوتر بين الأجيال بات قريبًا جدًا.
من سيرعى السكان المسنين؟
معدلات الولادة المنخفضة ليست مجرد رسوم بيانية في تقارير بنك إسرائيل أو الـOECD – إنها تغيّر نسيج الحياة اليومية. كلما تقدمت السكان في السن، يرتفع الطلب على الممرضين والممرضات ومقدمي الرعاية، لكن مخزون الأشخاص القادرين على أداء هذا العمل، سواء بشكل مهني أو داخل العائلة، ببساطة ينضب.
في اليابان يمكن بالفعل رؤية "عمال ضائعين": نساء ورجال في منتصف العمر يُجبرون على ترك سوق العمل من أجل رعاية آبائهم المسنين، فقط لأنه لا يوجد عدد كافٍ من العاملين في دور رعاية المسنين. هذه "أزمة رعاية" تُضر بالإنتاجية الاقتصادية وبالمساواة بين الجنسين في الوقت ذاته.
تسعى إيطاليا لمواجهة هذه المشكلة من خلال استثمارات ضخمة في مرحلة الطفولة المبكرة (من عمر 0 إلى 3 سنوات)، انطلاقاً من اعتقادها بأنه إذا ما تم تيسير عملية تربية الأطفال في البداية، فقد يُقدم الأزواج على إنجاب طفل ثانٍ أو ثالث. إلا أن هذه البرامج مكلفة للغاية، ويجب تمويلها من قاعدة ضريبية تتقلص باستمرار.
خطر متعدد الأبعاد: ضرر اقتصادي، سياسي وأمني
هناك قلق واحد من الصعب قياسه بالمعطيات الجافة، لكنه حاسم لروح الإنسان: ماذا يحدث للديناميكية في مجتمع لا يوجد فيه شباب؟ الشباب هم المحرك للشركات الناشئة، للفن المتمرّد، للتجارب التكنولوجية ولتحمّل المخاطر. المجتمع المُسنّ هو مجتمع محافظ أكثر، حذر أكثر، وربما أقل إبداعاً.
في كوريا الجنوبية، وصل الوضع إلى مستوى "حالة طوارئ وطنية". مع أدنى معدل خصوبة في العالم الذي يقترب من 0.7، شنت الحكومة هجومًا: سكن بأسعار رمزية للأزواج الجدد وإجازات والدية سخية للغاية. هذا ساعد قليلاً، وارتفع معدل الخصوبة إلى حوالي 0.9، لكن هذا لا يزال بعيدًا جدًا عن الهدف. مع بدء الجامعات في الإغلاق بسبب نقص الطلاب، يبدو مستقبل الابتكار غامضًا.
هذا الانكماش لا يحدث بشكل متساوٍ. هو يخلق مراكز حضرية نابضة بالحياة مثل طوكيو أو ميلانو التي تبقى مستقرة، وتحيط بها أطراف تزداد اندثارًا. في القرى الإيطالية والمناطق النائية في اليابان، تُغلَق المدارس، تُقفل المتاجر وتتدهور البنية التحتية. صيانة الطرق وأنظمة المياه من أجل بلدات تفرغ من سكانها أمر غير منطقي اقتصاديًا، لكن هجر هذه المناطق يحمل ثمنًا ثقافيًا واجتماعيًا لا يمكن تصوره.
وهناك أيضاً البعد العالمي: الديموغرافيا هي قوة. دول يتقلص عدد سكانها بسرعة أكبر من جيرانها تفقد وزنها السياسي والاقتصادي والعسكري. لا عجب أن روسيا والصين تتابعان بقلق بيانات معدلات الولادة لديهما. الأمر يبدأ بخطابات عن "واجب وطني" لإنجاب الأطفال، وقد ينتهي بالمساس بحقوق النساء أو بحروب ثقافية حول الهجرة، التي تُعد الحل الفوري الوحيد لنقص اليد العاملة، لكنها تواجه معارضة سياسية شديدة.
أين تقف إسرائيل في المعادلة؟
بالمقارنة مع دول متقدمة أخرى، إسرائيل بعيدة نوعًا ما عن أزمة ديموغرافية، إذ لديها أعلى معدلات الخصوبة بين دول الـOECD - بمعدل 2.9 أطفال لكل امرأة، وهو أعلى من مستوى الإحلال. ومع ذلك، أظهرت البيانات في العام الماضي أن معدلات نمو السكان انخفضت لأول مرة منذ قيام الدولة إلى أقل من 1%.
ما زال عدد السكان في إسرائيل يواصل الازدياد وما زال بعيدًا جدًا عن الانهيار، لكن التباطؤ في معدل النمو يشير إلى حدث يتشكل، والطريق إليه لن يكون سلسًا. سيتعين على صانعي السياسات تكييف أنظمة الرفاهية في الدولة مع الواقع المتغير، من أجل تخفيف الضغط عن سوق العمل والخزانة العامة.
فماذا نفعل من الآن فصاعدًا؟
التجارب في العالم تُظهر أن الحوافز المالية هي مجرد حل مؤقت، وليست حلاً حقيقياً. فهي تخلق زيادة طفيفة ومؤقتة، لكنها لا تغير الصورة الكبيرة. ما ينجح (إلى حد ما) هو تغيير عميق في ثقافة العمل: رعاية موثوقة للأطفال، مرونة حقيقية للوالدين وإجازة ولادة جدية لكلا الزوجين.
العالم الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا لا يجب أن يكون عالماً ينهار. الخطر الحقيقي ليس أن عدد الناس أقل، بل أن مؤسساتنا ما زالت عالقة في القرن الماضي وتفترض أن النمو سيستمر إلى الأبد. اليابان، كوريا وإيطاليا هن المختبر للجميع. يجدر بنا أن نبدأ في متابعة هذه التجربة عن كثب، لأنها ستصل قريباً إلى كل مكان.
