من أوسيتيا الجنوبية إلى أبخازيا.. هل تبدأ موسكو مرحلة ضم هادئ للمناطق الانفصالية؟
تعيين مسؤولين روس في قيادة الجمهورية الانفصالية يعزز التكهنات بتغيير استراتيجيا الكرملين.. وأبخازيا وترانسنيستريا قد تكونان المحطة التالية

بعد نحو 18 عامًا على اعترافها باستقلال أوسيتيا الجنوبية عن جورجيا، تبدو روسيا وكأنها تنتقل من سياسة دعم الكيان الانفصالي إلى مرحلة أعمق من الاندماج السياسي والإداري، في خطوات يراها مراقبون تمهيدًا لضم تدريجي من دون إعلان رسمي، مع تساؤلات حول إمكانية تطبيق النموذج نفسه في جمهوريات انفصالية أخرى مثل أبخازيا وترانسنيستريا.
وجاءت أحدث هذه الخطوات عقب توقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس أوسيتيا الجنوبية السابق آلان غاغلويف، في مايو الماضي، اتفاقية لـ"تعميق التعاون" بين الجانبين، تضمنت توحيدًا تدريجيًا في مجالات الاقتصاد والسياسة الخارجية والدفاع والأمن، إلى جانب السماح للمواطنين الروس لأول مرة بتولي مناصب رسمية داخل مؤسسات الجمهورية الانفصالية.
قيادة روسية في تسخينفالي
برز التحول بشكل أوضح مع صعود مارات كامبولوف، وهو مسؤول روسي من أوسيتيا الشمالية ويحمل الجنسية الروسية، إلى رئاسة الحكومة، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية بالإنابة عقب استقالة غاغلويف.
كامبولوف لا ينحدر من أوسيتيا الجنوبية، وشغل سابقًا مناصب رفيعة في مؤسسات الدولة الروسية، أبرزها الإدارة العامة لمعهد كورتشاتوف للفيزياء النووية، إضافة إلى منصب نائب وزير التعليم والعلوم.
وفي يوليو الجاري، استقبله بوتين في موسكو، معلنًا دعمه لترشحه في الانتخابات الرئاسية المقررة في سبتمبر المقبل، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا إضافيًا على تعاظم النفوذ الروسي المباشر داخل مؤسسات الحكم في الجمهورية الانفصالية.
ورغم تأكيد الكرملين رسميًا أنه لا توجد خطط لضم أوسيتيا الجنوبية، فإن تسارع خطوات الدمج الإداري والاقتصادي، إلى جانب تعيين مسؤولين روس في مواقع القرار، يعزز تقديرات بأن موسكو تهيئ الأرضية لارتباط مؤسساتي أعمق قد يفضي مستقبلًا إلى ضم رسمي أو إدماج ضمن دولة الاتحاد الروسي–البيلاروسي.
ضم هادئ بدل الاستفتاءات
ليست فكرة الانضمام إلى روسيا جديدة بالنسبة لأوسيتيا الجنوبية، إذ كانت القيادة المحلية قد طرحت عام 2022 تنظيم استفتاء على الانضمام، إلا أن المشروع جُمّد آنذاك في ظل الحرب في أوكرانيا.
أما اليوم، فيبدو أن موسكو تفضل مسارًا مختلفًا يقوم على الدمج التدريجي للمؤسسات والقوانين والنخب السياسية، بما يقلل من الكلفة السياسية والدبلوماسية التي قد يثيرها إعلان الضم بصورة مباشرة.
ويرى محللون أن هذا المسار قد يوفر أيضًا مكاسب داخلية للكرملين، في وقت تواجه فيه روسيا تحديات اقتصادية وأمنية وضغوطًا متزايدة نتيجة الحرب في أوكرانيا.
هل يتكرر السيناريو في أبخازيا؟
تثير التجربة الجديدة تساؤلات حول إمكانية تعميمها على أبخازيا، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى وجود اختلافات جوهرية بين الجمهوريتين.
فعلى الرغم من اعتماد أبخازيا الكبير على الدعم الروسي اقتصاديًا وعسكريًا، فإن النخب المحلية أظهرت خلال السنوات الأخيرة مقاومة متكررة لأي خطوات قد تقلص استقلالية مؤسساتها.
وشهدت المنطقة أواخر عام 2024 احتجاجات واسعة ضد اتفاق كان يمنح امتيازات خاصة لمطوري العقارات الروس، وانتهت الأزمة باستقالة الرئيس الفعلي أصلان بزانيا وإجراء انتخابات جديدة.
ومنذ ذلك الحين، اعتمد الكرملين سياسة مختلفة تقوم على الجمع بين الضغط الاقتصادي واستقطاب النخب المحلية، بإشراف مباشر من سيرغي كيرينكو، أحد أبرز مسؤولي الإدارة الرئاسية الروسية والمكلف بملف أبخازيا.
ورغم انتخاب بادرا غونبا، المدعوم من موسكو، رئيسًا للإقليم، سارعت السلطات الأبخازية لاحقًا إلى إقرار تشريعات تمنع غير المقيمين من تولي مناصب سياسية، وتفرض شرط إقامة لمدة خمس سنوات على المرشحين للمؤسسات المنتخبة، في خطوة فسرت على أنها محاولة لمنع تكرار نموذج أوسيتيا الجنوبية.
قلق في جورجيا
في تبليسي، وصفت قوى المعارضة الاتفاق الروسي مع أوسيتيا الجنوبية بأنه "مرحلة جديدة من الضم"، معتبرة أن موسكو تتجه نحو فرض إدارة مباشرة على الأراضي التي تعتبرها جورجيا جزءًا من سيادتها.
كما اتهمت وزارة الخارجية الجورجية روسيا باتخاذ خطوات إضافية نحو ضم الإقليم، رغم أن رد فعل الحكومة الجورجية بقي محدودًا، ما أثار تساؤلات حول رغبتها في تجنب مواجهة سياسية مباشرة مع موسكو.
اختبار لاستراتيجية روسية جديدة
يرى مراقبون أن أوسيتيا الجنوبية قد تتحول إلى نموذج تجريبي لاستراتيجية روسية جديدة تقوم على دمج الكيانات الانفصالية تدريجيًا عبر توحيد القوانين، وتعزيز الارتباط الاقتصادي، وإيصال شخصيات روسية إلى مواقع القيادة، بدل اللجوء إلى خطوات ضم سريعة قد تستفز المجتمع الدولي.
لكن نجاح هذا النموذج خارج أوسيتيا الجنوبية لا يبدو مضمونًا، خاصة في أبخازيا، حيث ما تزال قطاعات واسعة من النخب والسكان تتمسك بهامش من الحكم الذاتي، رغم اعتمادها الكبير على الدعم الروسي.
وبينما تواصل موسكو تعزيز نفوذها في مناطق ما بعد الاتحاد السوفييتي، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت تجربة أوسيتيا الجنوبية ستبقى حالة استثنائية، أم أنها تمثل بداية مرحلة جديدة من إعادة رسم النفوذ الروسي في محيطه الجغرافي.
