طوكيو تقترب من الهند عسكريًا.. هل تتشكل جبهة جديدة في مواجهة الصين؟
طوكيو تعزز شراكاتها الأمنية من الهند إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا، في خطوة تراها بكين جزءًا من شبكة ضغط متنامية تهدف إلى الحد من نفوذ الصين في المنطقة

تستعد اليابان لتوسيع حضورها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع إعلانها نشر مقاتلات في الهند للمرة الأولى، بالتزامن مع توسيع برامج التعاون والمساعدات الدفاعية مع دول آسيوية وأفريقية، في ظل تصاعد التنافس الاستراتيجي مع الصين.
وأعلنت قوات الدفاع الذاتي الجوية اليابانية أن طوكيو ستشارك في مناورة جوية مشتركة مع الهند تحت اسم "Veer Guardian 26"، خلال الفترة من 9 إلى 21 سبتمبر في ولاية راجستان غربي الهند.
وسترسل اليابان ثلاث مقاتلات من طراز "F-2" إلى الهند، إلى جانب نحو 110 أفراد من الجناح الجوي الثامن المتمركز في قاعدة تسوكي بمحافظة فوكوكا جنوب غربي البلاد. وقال رئيس أركان قوات الدفاع الذاتي الجوية اليابانية تاكيهيرو موريتا إن المناورة ستوفر فرصة لتعزيز التفاهم والثقة بين الجانبين.
خطوة غير مسبوقة في التعاون الياباني-الهندي
يمثل نشر المقاتلات اليابانية في الهند خطوة جديدة في مسار التعاون الدفاعي بين البلدين، وجاء بعد زيارة وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي إلى نيودلهي، حيث التقى نظيره الهندي راجناث سينغ واتفق الجانبان على مواصلة توسيع التعاون العسكري والتدريبات المشتركة.
وتنظر طوكيو إلى الشراكة مع الهند باعتبارها أحد عناصر استراتيجيتها للحفاظ على ما تصفه بمنطقة "حرة ومفتوحة" في المحيطين الهندي والهادئ، في وقت تسعى فيه إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع شبكة شراكاتها الأمنية خارج محيطها المباشر.
طوكيو توسّع مساعداتها الدفاعية
ولا يقتصر التحرك الياباني على المناورات. فبحسب تقارير إعلامية يابانية، تعتزم طوكيو تقديم معدات ومساعدات دفاعية إلى ما لا يقل عن 12 دولة خلال السنة المالية الحالية، مقارنة بثماني دول في العام السابق، ضمن برنامج المساعدة الأمنية الرسمية.
ومن بين الدول المستفيدة المحتملة كينيا، التي تسعى اليابان إلى تعزيز التعاون معها في المجال البحري، ولا سيما المراقبة والرصد، إضافة إلى الفلبين وإندونيسيا وماليزيا وتايلاند وسريلانكا وفيتنام وتيمور الشرقية.
ورفعت الحكومة اليابانية مخصصات البرنامج إلى نحو 18 مليار ين، أي ما يقارب 114 مليون دولار، للسنة المالية 2027، وهو أكثر من ضعف مخصصات العام السابق التي بلغت نحو 8 مليارات ين.
وفي يوليو، قررت اليابان تزويد الجيش الكمبودي بمعدات اتصالات وزوارق دورية، فيما تبحث طوكيو بالتعاون مع أستراليا إمكانية مساعدة فيجي في تطوير منشآت عسكرية.
وتشمل المساعدات حتى الآن معدات ذات استخدامات عسكرية وغير عسكرية، من بينها زوارق دورية وأنظمة رادار للمراقبة الساحلية، فيما تدرس طوكيو توسيع نطاق المعدات التي يمكن تقديمها، مع استثناء الأسلحة التي يحظر القانون الياباني تصديرها.
بكين ترى تحركًا متعدد الاتجاهات
وتثير التحركات اليابانية قلقًا في بكين، التي ترى في توسع الشراكات العسكرية لطوكيو جزءًا من إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بالصين.
وقال باحثون، إن إرسال مقاتلات يابانية إلى الهند يمثل، من وجهة النظر الصينية، مؤشرًا إضافيًا على ابتعاد اليابان عن القيود التقليدية المفروضة على دورها العسكري.
ويرى مراقبون أن طوكيو تستخدم تنامي القوة الصينية باعتباره مبررًا لتوسيع الإنفاق الدفاعي وتطوير قدرات عسكرية بعيدة المدى، إلى جانب بناء شراكات أمنية مع دول تشترك معها في المخاوف بشأن تنامي النفوذ الصيني.
وبحسب هذا التقييم، ركز التعاون الدفاعي الياباني في السنوات الماضية على بحر الصين الشرقي، ولا سيما عبر تعزيز الوجود العسكري في الجزر الجنوبية الغربية، إضافة إلى توسيع التعاون مع الفلبين وفيتنام في بحر الصين الجنوبي.
أما التعاون مع الهند، فيمثل انتقالًا إضافيًا نحو جنوب آسيا، ويمنح طوكيو شريكًا أمنيًا رئيسيًا في منطقة ترتبط مباشرة بالمصالح الاستراتيجية الصينية.
من بحر الصين الشرقي إلى الحدود الهندية
ويقول مراقبون إن بكين تنظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها جزءًا من شبكة ضغط متعددة الاتجاهات تشمل اليابان والولايات المتحدة والفلبين في شرق وجنوب الصين، والهند على الحدود الجنوبية الغربية.
ومن هذا المنظور، قد تكتسب التدريبات الجوية اليابانية-الهندية أهمية تتجاوز الجانب التدريبي، باعتبارها منصة لتعزيز التنسيق الاستراتيجي بين دولتين تنظران بقلق إلى صعود القوة الصينية.
وتقول القراءة الصينية إن توسيع التعاون الياباني مع الهند يهدف، من بين أمور أخرى، إلى زيادة قدرة نيودلهي على لعب دور أكبر في مواجهة النفوذ الصيني، بما يخفف جزءًا من الضغط الذي تواجهه طوكيو في شرق آسيا.
الصين: اليابان تزعزع البيئة الأمنية
وكانت وزارة الدفاع الصينية انتقدت في وقت سابق ما وصفته بتضخيم اليابان لما يسمى "التهديد الصيني"، معتبرة أن طوكيو لا تكتفي بتوسيع نفوذها في جنوب آسيا، بل تسعى إلى توسيع حضورها الأمني والعسكري على نطاق عالمي.
وترى بكين أن هذا المسار يساهم في تغيير التوازنات الأمنية في محيطها ويزيد من التوتر الإقليمي.
وبالنسبة لليابان، يأتي التحرك في سياق مختلف، إذ تعتبر طوكيو أن تنامي القدرات العسكرية الصينية، إلى جانب التوترات في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، يستدعي تعزيز التعاون مع شركاء إقليميين ودوليين.
وبينما تصف اليابان هذه التحركات بأنها جزء من تعزيز الردع والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تراها الصين مؤشرًا على تحول تدريجي في الدور العسكري الياباني، وعلى تشكل شبكة من الشراكات قد تزيد الضغوط الاستراتيجية على بكين.
