أزمة الفساد تهز حكومة سانشيز... واليمين الإسباني يقترب من العودة إلى السلطة
تراجع شعبية الاشتراكيين وصعود "فوكس" يعيدان رسم الخريطة السياسية في إسبانيا وسط ترجيحات بخسارة اليسار الانتخابات المقبلة

تشهد الساحة السياسية الإسبانية تحولاً متسارعاً قد ينهي سنوات حكم رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، بعدما عزز اليمين واليمين المتطرف حضورهما في الانتخابات الإقليمية الأخيرة، في ظل تراجع شعبية الحزب الاشتراكي الحاكم على خلفية قضايا فساد وانقسامات داخلية.
وشكلت نتائج انتخابات إقليم الأندلس، التي فاز فيها الحزب الشعبي المحافظ بدعم من حزب "فوكس" اليميني المتطرف، محطة جديدة في سلسلة انتصارات اليمين، بعدما كانت الأندلس تُعد لعقود أحد أبرز معاقل اليسار الإسباني. كما حقق المحافظون مكاسب مشابهة في أقاليم أخرى مثل أراغون وكاستيا وليون وكاستيا لا مانشا، ما يعكس تحولاً تدريجياً في المزاج الانتخابي الإسباني.
صعود "فوكس" يغير موازين القوى
برز حزب "فوكس" بوصفه المستفيد الأكبر من التحولات السياسية، بعدما تحول من شريك ثانوي إلى لاعب يصعب تجاوزه في معسكر اليمين.
ومع عجز الحزب الشعبي عن تحقيق أغلبية مطلقة، بات مضطراً إلى إبرام اتفاقات مع "فوكس" لتشكيل الحكومات الإقليمية، وهو ما منح الحزب اليميني المتطرف قدرة أكبر على فرض أجندته، وفي مقدمتها سياسة "الأولوية الوطنية" والتشدد في ملفات الهجرة والأمن.
وتشير تقديرات مراقبين إلى أن أي حكومة يمينية مستقبلية على المستوى الوطني ستكون بحاجة إلى دعم "فوكس"، الأمر الذي يمنحه نفوذاً سياسياً متزايداً.
قضايا الفساد تضرب قلب الحكومة
في المقابل، تواجه حكومة سانشيز أزمة سياسية متفاقمة بسبب سلسلة من تحقيقات الفساد التي طالت شخصيات بارزة داخل الحزب الاشتراكي.
وبدأت الأزمة مع ما عُرف إعلامياً بـ"قضية كولدو"، التي شملت شبهات فساد في عقود شراء مستلزمات طبية خلال جائحة كورونا، قبل أن تتوسع التحقيقات لتشمل وزير النقل السابق خوسيه لويس أبالوس، أحد أقرب حلفاء سانشيز، ثم تمتد إلى مسؤولين آخرين داخل الحزب.
كما خضعت زوجة سانشيز، بيغونيا غوميز، وشقيقه دافيد سانشيز لتحقيقات منفصلة تتعلق بشبهات استغلال النفوذ، فيما استقال القيادي الاشتراكي سانتوس سيردان بعد ورود اسمه في التحقيقات.
وأضعفت هذه الملفات الصورة التي حاول سانشيز ترسيخها منذ وصوله إلى الحكم عام 2018 باعتباره زعيماً جاء لمحاربة الفساد الذي ارتبط سابقاً بالحزب الشعبي.
المعارضة تستثمر الأزمة
يرى محللون سياسيون أن المعارضة نجحت في تحويل ملفات الفساد من قضايا قضائية إلى أزمة ثقة سياسية.
وبحسب تقديراتهم، تمكن الحزب الشعبي من تقديم نفسه بديلاً للحكومة، فيما استغل "فوكس" حالة الغضب الشعبي لتعزيز خطابه القائم على التشدد في ملفات الهجرة والأمن، وربطها بما يصفه بفشل الحكومة الحالية.
إنجازات لم تمنع التراجع
ورغم أن حكومة سانشيز حققت نمواً اقتصادياً، وخفضت معدلات البطالة، ورفعت الحد الأدنى للأجور، وأقرت إصلاحات اجتماعية، إضافة إلى تبنيها مواقف بارزة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن الحرب في غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإن هذه الإنجازات لم تنجح في الحد من التراجع السياسي الذي يواجهه الائتلاف الحاكم.
ويشير محللون إلى أن الناخب الإسباني بات يفصل بين الأداء الاقتصادي والاجتماعي للحكومة وبين قضايا الفساد والصراعات الداخلية، التي أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في توجهات الرأي العام.
استطلاعات الرأي تمنح الأفضلية لليمين
تعكس أحدث استطلاعات الرأي استمرار تقدم معسكر اليمين على حساب اليسار.
وأظهر استطلاع أجراه معهد 40dB لصالح صحيفة "إل باييس" وإذاعة "سير" ارتفاعاً ملحوظاً في شعبية حزب "فوكس"، مقابل تراجع الحزب الاشتراكي وتكتل "سومار" اليساري.
وبحسب نتائج الاستطلاع، يحصل معسكر اليمين على نحو 49.2% من نيات التصويت، مقابل 36.9% فقط لمعسكر اليسار، ما يعزز تقديرات بأن الحزب الاشتراكي فقد جزءاً كبيراً من قاعدته الانتخابية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
ورغم الضغوط المتزايدة، لا يزال سانشيز يؤكد تمسكه بإكمال ولايته حتى موعد الانتخابات العامة وعدم الدعوة إلى انتخابات مبكرة.
ويطرح المراقبون ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
استمرار الحكومة حتى انتخابات 2027 بفضل احتفاظها بالأغلبية البرلمانية بدعم الحلفاء.
نجاح المعارضة في حشد أغلبية برلمانية لحجب الثقة، وهو سيناريو لا يزال صعب التحقيق في الوقت الحالي.
تفجر فضائح جديدة قد تدفع سانشيز إلى الاستقالة أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، رغم نفيه المتكرر لهذا الاحتمال.
اليمين يستعد لمرحلة جديدة
تشير المؤشرات السياسية الحالية إلى أن إسبانيا قد تكون مقبلة على تغيير في موازين السلطة بعد سنوات من حكم اليسار.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فمن المتوقع أن تتبنى حكومة يقودها الحزب الشعبي بدعم "فوكس" سياسات أكثر تشدداً في ملفات الهجرة والأمن والهوية الوطنية، مع اختلاف واضح في توجهاتها الداخلية والخارجية مقارنة بالحكومة الحالية، ما قد يفتح مرحلة سياسية جديدة في البلاد.
