اللاجئون وإعادة الإعمار: أهداف مزدوجة في زيارة الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا
زيارة الشرع لأوروبا: سوريا تسعى لكسر العزلة وجذب الاستثمارات وسط أزمة اللاجئين”

تكتسب زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا أهمية استثنائية في ظل التحولات المتسارعة في المشهدين الإقليمي والدولي، حيث تعكس الزيارة بداية مرحلة جديدة من إعادة تموضع سوريا على الساحة الأوروبية بعد سنوات من القطيعة. ويرى مراقبون أن توقيت الزيارة ليس منفصلًا عن محاولات أوروبية لإعادة صياغة العلاقة مع دمشق، بما يوازن بين ضرورات الاستقرار الإقليمي والمصالح الداخلية، وعلى رأسها ملف اللاجئين.
في برلين، يتصدر ملف اللاجئين جدول الأعمال، إذ تسعى الحكومة الألمانية إلى إيجاد آليات عملية لإعادة قسم من اللاجئين السوريين، خصوصًا في ظل الضغوط السياسية الداخلية وتصاعد خطاب اليمين. ويرى محللون أن ألمانيا تنظر إلى الانفتاح على دمشق كأداة محتملة لمعالجة هذا الملف، لكن دون تقديم تنازلات مجانية، حيث تربط أي تقدم بمدى قدرة الحكومة السورية على توفير بيئة آمنة ومستقرة لعودة مواطنيها.
في المقابل، تحاول دمشق استثمار هذا الاهتمام الأوروبي بملف اللاجئين للحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية، إذ ترى أن إعادة الإعمار وتحسين الواقع المعيشي يشكلان المدخل الأساسي لأي عودة واسعة. ويرى مراقبون أن القيادة السورية تسعى خلال هذه الزيارة إلى إقناع الأوروبيين بأن دعم الاقتصاد السوري لا يخدم دمشق فقط، بل ينعكس مباشرة على تقليص موجات الهجرة واللجوء.
اقتصاديًا، تشكل مسألة جذب الاستثمارات الأوروبية محورًا مركزيًا في أجندة الشرع، خاصة بعد رفع جزئي للعقوبات دون أن يترجم ذلك إلى انفتاح اقتصادي فعلي. ويرى محللون أن سوريا تراهن على دخول الشركات الأوروبية في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، مستفيدة من موارد البلاد وفرص السوق غير المستغلة، في حين تنظر أوروبا إلى هذه الفرص من زاوية المصالح الاقتصادية، لكنها تبقيها مشروطة بتحسين بيئة الأعمال وتعزيز الشفافية.
سياسيًا، تحمل الزيارة أبعادًا تتجاوز الاقتصاد، إذ تهدف دمشق إلى تعزيز شرعيتها الدولية وتكريس نفسها كشريك يمكن التعامل معه في المرحلة المقبلة. ويرى مراقبون أن اللقاءات مع كبار المسؤولين في برلين ولندن تمثل محاولة لكسر العزلة السياسية وإعادة إدماج سوريا تدريجيًا في النظام الدولي، خاصة في ظل انشغال الغرب بملفات أكثر إلحاحًا في المنطقة.
في المقابل، لا يبدو أن أوروبا مستعدة للانخراط الكامل دون ضمانات واضحة، حيث يركز الجانب الأوروبي على قضايا حقوق الإنسان وحماية الأقليات والإصلاح السياسي. ويرى محللون أن هذه الشروط تمثل أدوات ضغط تهدف إلى ضبط سلوك الحكومة السورية وضمان عدم تحول الانفتاح إلى مكسب أحادي الجانب لدمشق.
أما زيارة لندن، فتُقرأ كخطوة موازية لتعزيز الانفتاح الأوروبي، مع توقعات بدور بريطاني أكبر في الملف السوري، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي. ويرى مراقبون أن بريطانيا تسعى إلى تثبيت حضورها في مرحلة ما بعد الحرب، مستفيدة من أي فراغ قد ينشأ في التنافس الدولي على إعادة الإعمار.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبقى التحديات كبيرة، إذ يرى محللون أن البيئة الإقليمية غير المستقرة، إلى جانب التحديات الداخلية في سوريا، قد تعيق تحقيق اختراق سريع في العلاقات مع أوروبا. كما أن التباين في مواقف الدول الأوروبية نفسها قد يحد من بلورة سياسة موحدة تجاه دمشق.
تعكس زيارة الشرع إلى برلين ولندن تقاطعًا معقدًا للمصالح: أوروبا تبحث عن حلول عملية لأزمة اللاجئين وتعزيز الاستقرار، بينما تسعى سوريا إلى كسر العزلة وجذب الاستثمارات. وبين هذين الهدفين، يرى مراقبون أن مسار العلاقة سيبقى محكومًا بمعادلة "الانفتاح المشروط"، حيث لا تقدم كبيرًا دون مقابل سياسي واقتصادي واضح في المرحلة المقبلة.
