روسيا والصين في مواجهة الناتو.. سباق عسكري متسارع على القطب الشمالي
مشاركة هلسنكي في مناورات بقيادة الدنمارك تأتي في وقت تتزايد فيه المخاوف من روسيا، بينما لا تزال قضية غرينلاند حاضرة في الحسابات الأمنية لحلف الناتو

لم تعد المنافسة على القطب الشمالي تقتصر على روسيا والولايات المتحدة، إذ تتحول المنطقة تدريجياً إلى ساحة لتوسيع التعاون العسكري بين دول شمال أوروبا. وفي هذا السياق، بدأت فنلندا، بعد فترة قصيرة من انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، بتعزيز حضورها العسكري في مناطق بعيدة عن حدودها مع روسيا، وصولاً إلى غرينلاند والمياه المحيطة بها.
وتشارك قوات فنلندية هذا الأسبوع إلى جانب قوات دنماركية ودولية في مناورات "التحمل القطبي 26"، في خطوة تعكس تنامي التعاون الدفاعي بين دول الشمال، في وقت تتقاطع فيه المخاوف الأوروبية بشأن التحركات الروسية مع التوتر السياسي الذي أثارته تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن مستقبل غرينلاند.
من الحدود الروسية إلى أقصى الشمال
تملك فنلندا حدوداً برية مع روسيا تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، وأصبح موقعها الجغرافي أكثر حساسية منذ انضمامها إلى الناتو عام 2023.
لكن التحول في السياسة الأمنية الفنلندية لا يقتصر على تعزيز الدفاع عن الحدود الشرقية، بل يترافق مع توسع المشاركة في أنشطة الحلف في مناطق استراتيجية أخرى، بينها القطب الشمالي.
وبحسب وزارة الدفاع الفنلندية، يشارك أفراد من البحرية على متن سفن دنماركية تعمل في غرينلاند وجزر فارو والمياه المحيطة بهما، فيما يخضع عدد من جنود القوات الخاصة من فوج "أوتي ياغر" لتدريبات مشتركة مع قوات دنماركية ودولية في ظروف قطبية.
وتهدف التدريبات إلى تطوير قدرات القوات الفنلندية على العمل في البيئات شديدة البرودة، ورفع مستوى التنسيق والتشغيل المشترك مع قوات الحلفاء، إلى جانب تعزيز جاهزية القوات الخاصة والأسطول البحري.
رسالة عسكرية في توقيت سياسي حساس
يصف مسؤولون فنلنديون المشاركة بأنها نشاط تدريبي اعتيادي تم التخطيط له بالتنسيق مع الحلفاء، مع التشديد على أن المناورات لا تتضمن سيناريو للتعامل مع أي مواجهة عسكرية أميركية محتملة حول غرينلاند.
ويرى محللون أن حساسية المشاركة لا تأتي من طبيعة التدريب بحد ذاته، وإنما من توقيته ومكانه، إذ أصبحت غرينلاند خلال الأشهر الماضية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
وكانت الدنمارك قد أطلقت مناورات "التحمل القطبي" في يناير الماضي، بالتزامن مع تصاعد تصريحات ترامب بشأن غرينلاند. وشاركت في التدريبات قوات من فرنسا وألمانيا والسويد والنرويج وفنلندا وهولندا وأيسلندا وبلجيكا.
وفي تلك الفترة، تصاعد التوتر بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية، إلى درجة أن ترامب لوّح بفرض رسوم جمركية على دول مشاركة في الجهود الأوروبية المتعلقة بالجزيرة.
غرينلاند في الحسابات الأمنية الأوروبية
ورغم إعلان ترامب لاحقاً أنه لم يعد يفكر في استخدام القوة العسكرية ضد غرينلاند أو الدنمارك، فإن القضية بقيت حاضرة في الحسابات الأمنية الأوروبية.
ومنذ بداية العام، تتناوب قوات وسفن تابعة لعدد من الدول الأوروبية في غرينلاند ومحيطها للتدرب على العمل في الظروف القطبية، فيما استمر التنسيق بين دول الشمال بشأن كيفية تعزيز الحضور العسكري في المنطقة.
ويشير محللون إلى أن غرينلاند تحولت إلى نقطة تقاطع بين اعتبارات عدة: أمن القطب الشمالي، المنافسة مع روسيا، العلاقة مع الولايات المتحدة، ومستقبل الوجود العسكري الأوروبي في منطقة تزداد أهميتها الاستراتيجية.
موسكو ترى توسعاً عسكرياً غربياً
في المقابل، تنظر روسيا بقلق إلى تنامي النشاط العسكري الغربي في القطب الشمالي.
وحذرت موسكو من أن زيادة الوجود العسكري لحلف الناتو في أقصى الشمال قد تؤدي إلى رفع احتمالات وقوع حوادث عسكرية غير محسوبة، في منطقة تزداد فيها حساسية التوازن بين القوات الروسية والغربية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تعزيز الناتو نشاطه في المنطقة. ففي فبراير الماضي، أطلق الحلف مهمة "حارس القطب الشمالي" بهدف زيادة التنسيق بين قوات الدول الأعضاء وتعزيز أمن المنطقة.
ويقول محللون إن موسكو تنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءاً من عملية أوسع لتوسيع البنية الأمنية الغربية بالقرب من المناطق التي تعتبرها روسيا ذات أهمية استراتيجية مباشرة.
سباق يتجاوز غرينلاند
ولا تقتصر المنافسة العسكرية في القطب الشمالي على غرينلاند.
فمع ذوبان الجليد وفتح مسارات بحرية جديدة، تزداد أهمية المنطقة بالنسبة إلى القوى الدولية، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو بسبب مواردها الطبيعية المحتملة.
وتجري النرويج بصورة دورية مناورات واسعة في أقصى الشمال، بمشاركة نحو 25 ألف جندي كل عامين، بينما تعمل الدنمارك على تعزيز قدراتها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك من خلال مقاتلات "إف-35".
كما تعمل النرويج على توسيع قدراتها الدفاعية في المناطق الشمالية المحاذية لروسيا، في وقت تسعى فيه دول الشمال إلى تعزيز التنسيق العسكري في إطار الناتو.
وتدرس الدنمارك أيضاً إدماج مناورات "التحمل القطبي" بصورة أكبر ضمن البنية العملياتية لحلف شمال الأطلسي، بما يعكس تحول التدريب القطبي من نشاط وطني أو إقليمي إلى جزء من التخطيط الدفاعي للحلف.
روسيا والصين في المشهد
في الجانب الآخر، تمتلك روسيا أكبر بنية عسكرية في القطب الشمالي، تشمل قواعد ومنشآت عسكرية وقدرات بحرية وغواصات نووية، ما يمنحها حضوراً استراتيجياً يصعب تجاهله.
أما الصين، فتوسع نشاطها الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة، ولا سيما عبر الممر البحري الشمالي، بالتعاون مع موسكو.
وبذلك، تتحول المنطقة القطبية تدريجياً إلى مساحة تنافس متعددة الأطراف، لا تتعلق فقط بالحدود أو بالوجود العسكري، وإنما أيضاً بالطرق البحرية الجديدة والطاقة والموارد الطبيعية وموازين القوة بين روسيا والصين والولايات المتحدة وأوروبا.
فنلندا تعيد تعريف موقعها الأمني
بالنسبة إلى فنلندا، تبدو المشاركة في غرينلاند جزءاً من تحول أوسع في مفهوم الأمن القومي منذ الانضمام إلى الناتو.
فالدولة التي كانت تركز لعقود على الدفاع عن حدودها الطويلة مع روسيا أصبحت اليوم جزءاً من منظومة عسكرية تمتد من بحر البلطيق إلى القطب الشمالي.
ويرى محللون أن هذا التحول يعكس أيضاً إعادة رسم للأدوار داخل دول الشمال الأوروبي، حيث بات التعاون العسكري بينها أكثر ارتباطاً بالتخطيط الاستراتيجي للناتو وبالتغيرات المتسارعة في البيئة الأمنية للقطب الشمالي.
ومع استمرار التنافس بين روسيا والغرب، وبقاء غرينلاند في دائرة الاهتمام الأميركي والأوروبي، يبدو أن القطب الشمالي يتحول تدريجياً من منطقة نائية إلى واحدة من أكثر ساحات التنافس الاستراتيجي أهمية في السنوات المقبلة.
