الحجاب يشعل فرنسا من جديد.. اليمين المتطرف يحول طفلة في مونديال 2026 إلى قضية انتخابية
ظهور طفلة محجبة في مونديال 2026 يشعل جدلاً سياسياً جديداً حول العلمانية والهجرة والإسلام وسط استعدادات للانتخابات الرئاسية والتشريعية

تحولت لقطة ظهور طفلة ترتدي الحجاب خلال مراسم دخول لاعبي المنتخب الفرنسي قبل مباراته أمام السويد في كأس العالم 2026 إلى محور سجال سياسي واسع في فرنسا، بعدما شن اليمين المتطرف ووسائل إعلام مقربة منه حملة انتقادات حادة، رغم أن الواقعة جرت في الولايات المتحدة ضمن بطولة ينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ولا تخضع للقوانين الفرنسية المتعلقة بالرموز الدينية.
ويرى مراقبون أن ردود الفعل تجاوزت الحادثة نفسها، لتتحول إلى جزء من الصراع السياسي المحتدم حول قضايا الهوية والهجرة والعلمانية، وهي ملفات يتوقع أن تتصدر الحملات الانتخابية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة.
اليمين يستثمر ملف الهوية
تعاملت أحزاب اليمين المتطرف مع الواقعة باعتبارها دليلاً جديداً على ما تصفه بـ"تراجع الهوية الفرنسية"، معتبرة أن ظهور الحجاب في حدث شاهده ملايين الفرنسيين يحمل أبعاداً رمزية تتجاوز الجانب الرياضي.
ويواصل هذا التيار اعتبار الحجاب رمزاً سياسياً وثقافياً، وليس مجرد لباس ديني، وهو خطاب يتبناه منذ سنوات ضمن حملاته المرتبطة بالهجرة والاندماج والعلمانية.
في المقابل، رفضت قوى من اليسار واليمين التقليدي تضخيم الحادثة، معتبرة أن استهداف طفلة بسبب لباسها يمثل توظيفاً سياسياً للإسلام في إطار الدعاية الانتخابية، فيما فضلت أحزاب الوسط عدم الانخراط في السجال.
جدل قديم يتجدد
يعيد الجدل الحالي إلى الواجهة النقاش المستمر في فرنسا منذ إقرار قانون عام 2004 الذي يحظر ارتداء الرموز الدينية الظاهرة داخل المدارس الحكومية، ثم قانون عام 2010 الذي يمنع تغطية الوجه بالكامل في الأماكن العامة.
ورغم أن هذه القوانين تشمل مختلف الرموز الدينية، فإن الحجاب الإسلامي بقي القضية الأكثر إثارة للنقاش السياسي والإعلامي، مع استمرار الخلاف حول حدود العلمانية ودور الدولة في تنظيم المظاهر الدينية داخل الفضاء العام.
ويشير محللون إلى أن استمرار الجدل رغم مرور سنوات على هذه التشريعات يعكس أن الإشكالية لم تعد قانونية فحسب، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة أوسع حول الهوية الوطنية وسياسات الاندماج والهجرة.
فرنسا وبريطانيا.. نموذجان مختلفان
أعاد الجدل أيضاً المقارنة بين النموذجين الفرنسي والبريطاني في إدارة التنوع الديني والثقافي.
فبينما تقوم المقاربة الفرنسية على مفهوم علماني يفرض حياد المجال العام ويحد من إبراز الرموز الدينية في بعض المؤسسات، يعتمد النموذج البريطاني سياسة أكثر انفتاحاً، تسمح للمواطنين بإظهار انتماءاتهم الدينية والثقافية داخل المؤسسات العامة، بما في ذلك الشرطة والبرلمان والحكومة.
ويرى باحثون أن هذا الاختلاف لا يرتبط بحجم الحقوق القانونية الممنوحة للأقليات، إذ يكفل البلدان حرية ممارسة الشعائر الدينية، وإنما بطريقة تعامل الدولة مع التعبير العلني عن الهوية الدينية.
الانتخابات تدفع نحو مزيد من الاستقطاب
يعتقد مراقبون أن الجدل حول الحجاب يأتي في توقيت سياسي حساس، مع استعداد الأحزاب الفرنسية لخوض الانتخابات المقبلة، حيث يسعى اليمين المتطرف إلى جعل ملفات الهجرة والإسلام والأمن والعلمانية محوراً رئيسياً لحملته الانتخابية.
وتشير التقديرات إلى أن هذه القضايا تمنح اليمين فرصة لحشد ناخبيه، خصوصاً في ظل تباطؤ الاقتصاد وارتفاع المخاوف المرتبطة بالأمن والهجرة، فيما تجد أحزاب اليسار نفسها في موقع دفاعي خشية منح هذه الملفات زخماً إعلامياً أكبر.
أزمة تتجاوز الحجاب
يرى محللون أن الجدل الدائر لا يتعلق بقطعة قماش أو بواقعة رياضية معزولة، بل يعكس أزمة أعمق يعيشها المجتمع الفرنسي بشأن تعريف الهوية الوطنية وحدود العلمانية وآليات دمج المهاجرين.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تبدو هذه الملفات مرشحة للعب دور محوري في المنافسة السياسية، في وقت يواصل فيه اليمين المتطرف توظيفها باعتبارها إحدى أكثر القضايا قدرة على استقطاب الناخبين، وسط مخاوف من اتساع الانقسام المجتمعي خلال المرحلة المقبلة.
