التوسع الأوروبي يعود من بوابة الأمن.. الجبل الأسود في الصدارة وتركيا خارج الإيقاع
نهج أوروبي جديد يربط التوسع بالاعتبارات الأمنية، مع تقدم الجبل الأسود وتجميد فعلي لمسار عضوية تركيا في ظل أولويات جيوسياسية متغيرة

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في أوروبا، يعيد الاتحاد الأوروبي تفعيل ملف التوسع، لكن هذه المرة بدوافع أمنية واستراتيجية أكثر من كونها اقتصادية. فالحرب في أوكرانيا، وتوتر العلاقة مع روسيا، والقلق من مستقبل المظلة الأميركية، دفعت بروكسل إلى البحث عن توسيع دائرة الاستقرار في محيطها المباشر، خاصة في منطقة البلقان.
ويرى مراقبون أن الاتحاد لم يعد ينظر إلى التوسع كخيار بيروقراطي طويل الأمد، بل كأداة لإعادة رسم المجال الأوروبي واحتواء الفراغات الجيوسياسية قبل أن تملأها قوى منافسة مثل موسكو أو بكين.
الجبل الأسود.. المرشح الأكثر جاهزية
في هذا السياق، تبرز الجبل الأسود كأقرب الدول إلى العضوية الكاملة، بعد موافقة الاتحاد الأوروبي على بدء صياغة معاهدة الانضمام، وهي خطوة قانونية تُعد تمهيدًا للمرحلة النهائية من المسار.
الجبل الأسود، التي نالت استقلالها عام 2006 بعد تفكك يوغوسلافيا، حصلت على صفة دولة مرشحة عام 2010، وبدأت مفاوضاتها الرسمية في 2012. وبعد أكثر من عقد في "غرفة الانتظار"، تبدو اليوم الأكثر استعدادًا مقارنة بجيرانها.
ويرى محللون أن صغر حجم الدولة، الذي لا يتجاوز عدد سكانها نحو 600 ألف نسمة، يجعل دمجها داخل الاتحاد أكثر سهولة، إلى جانب انضمامها السابق إلى حلف الناتو واعتمادها العملي لليورو، ما جعلها أقرب سياسيًا واقتصاديًا إلى الغرب.
توسع أوروبي بمنطق الردع
التحول الأبرز يتمثل في أن بروكسل باتت تستخدم التوسع كأداة ردع سياسي، وليس فقط كبرنامج إصلاحي. فضم دول البلقان أو شرق أوروبا يعني تقليص المجال الحيوي الروسي، وربط هذه الدول بالمؤسسات الغربية.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن دولًا مثل ألبانيا، البوسنة والهرسك، مقدونيا الشمالية، مولدوفا، أوكرانيا، وصربيا قد تكون ضمن موجة توسع بعد عام 2028، لكن بدرجات متفاوتة من الجاهزية.
ويرى مراقبون أن الاتحاد يسعى إلى تسريع انضمام الدول "القابلة للدمج" أولًا، بدل انتظار تسوية جميع الملفات المعقدة دفعة واحدة.
أوكرانيا.. أولوية سياسية وتحديات ثقيلة
منذ منح كييف صفة دولة مرشحة عام 2022، تحولت عضوية أوكرانيا إلى قضية استراتيجية داخل أوروبا. فبعض الدول ترى في تسريع انضمامها رسالة مباشرة إلى موسكو، بينما تتحفظ عواصم أخرى بسبب حجم التحديات الاقتصادية والمؤسساتية.
ويرى محللون أن إدماج دولة بحجم أوكرانيا، مع اقتصاد متضرر وحاجة هائلة لإعادة الإعمار، سيشكل اختبارًا ماليًا وسياسيًا غير مسبوق للاتحاد الأوروبي.
صربيا وجورجيا.. الشكوك مستمرة
في المقابل، تواجه دول أخرى عراقيل سياسية واضحة. فصربيا تتعرض لانتقادات أوروبية تتعلق بحرية الإعلام وعلاقاتها الوثيقة مع روسيا، فيما تواجه جورجيا اتهامات بالتراجع الديمقراطي، ما أبطأ تقدمها.
أما كوسوفو، فما زال ملف الاعتراف بها من جميع أعضاء الاتحاد غير محسوم، ما يجعل مسارها أكثر تعقيدًا.
تركيا.. ربع قرن من الجمود
تركيا تمثل المثال الأوضح على المسار المتعثر. فمنذ عقود وهي تسعى للعضوية، لكن مفاوضاتها دخلت حالة جمود شبه كامل بسبب ملفات الديمقراطية، واستقلال القضاء، والخلاف مع قبرص، والتوترات في شرق المتوسط.
ويرى مراقبون أن بعض العواصم الأوروبية تنظر أيضًا إلى حجم تركيا السكاني وتأثيرها المحتمل داخل مؤسسات الاتحاد كعامل غير معلن وراء استمرار التعطيل.
ورغم ذلك، بقيت العلاقة بين الطرفين قائمة على شراكة وظيفية تشمل الهجرة والطاقة والأمن، من دون تقدم سياسي فعلي نحو العضوية.
أوروبا تعيد تعريف نفسها
يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو توسع انتقائي ومدروس، يقوم على ضم الدول الصغيرة أو المستقرة نسبيًا، وتأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا.
ويرى محللون أن بروكسل لا توسع حدودها فقط، بل تعيد تعريف دورها كقوة سياسية وأمنية، لا كمجرد سوق اقتصادية مشتركة. وفي هذا المشهد، تبدو الجبل الأسود المرشح الأقرب، فيما تبقى تركيا في مسار طويل مفتوح بلا نهاية واضحة.
