أيسلندا تقول «لا» لأوروبا.. لماذا اختارت ريكيافيك السيادة على عضوية الاتحاد؟
استفتاء أيسلندي يحسم الجدل برفض استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وسط تمسك الناخبين بالسيادة الوطنية ورفض المساس بإدارة الموارد البحرية

رفض الناخبون الأيسلنديون استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في نتيجة أكثر وضوحاً مما توقعت استطلاعات الرأي، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن انقسام داخلي بشأن مستقبل علاقة البلاد بأوروبا.
وصوّت 52.8% ضد استئناف المفاوضات مقابل 47.2% لصالحه. وجاء الرفض خصوصاً من خارج العاصمة، بينما أيد غالبية سكان ريكيافيك إعادة فتح الملف الأوروبي.
ورغم أن الاستفتاء استشاري وغير ملزم، فإنه أغلق عملياً، في الوقت الراهن، الطريق أمام استئناف مفاوضات توقفت منذ أكثر من عقد.
تجربة مالية انتهت بقرار مختلف
بدأت أيسلندا مسار طلب العضوية عام 2009، بعد الأزمة المالية التي ضربت البلاد وأدت إلى انهيار بنوك كبرى. في ذلك الوقت، اعتبرت الحكومة أن الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو قد يوفران مظلة للاستقرار الاقتصادي.
لكن الحكومة التي وصلت إلى السلطة عام 2013 أوقفت المفاوضات، ثم سحبت ريكيافيك طلب العضوية رسمياً عام 2015.
وأعادت الحكومة الحالية، التي تشكلت عام 2024، الملف إلى الواجهة، متعهدة بإجراء استفتاء حول استئناف المفاوضات. إلا أن النتيجة جاءت بمثابة انتكاسة سياسية لرئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير وحزبها المؤيد للخطوة.
أوروبا من دون عضوية
المفارقة أن أيسلندا ليست بعيدة عن الاتحاد الأوروبي كما قد توحي نتيجة الاستفتاء. فهي عضو في المنطقة الاقتصادية الأوروبية ومنطقة شنغن، وتحصل بالفعل على جزء كبير من مزايا السوق الأوروبية من دون عضوية كاملة أو مشاركة مباشرة في مؤسسات الاتحاد.
وهنا تكمن إحدى الحجج الرئيسية للمعسكر الرافض: لماذا التخلي عن مزيد من الصلاحيات الوطنية مقابل امتيازات تحصل عليها البلاد أصلاً من خلال علاقاتها الحالية مع أوروبا؟
في المقابل، يرى المؤيدون أن البقاء خارج الاتحاد يحرم أيسلندا من التأثير في القرارات التي تؤثر مباشرة في اقتصادها، وأن العضوية قد تمنحها نفوذاً أكبر في مواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة.
الصيد.. الخط الأحمر
كان قطاع صيد الأسماك أحد أهم أسباب الرفض. فبالنسبة إلى المعارضين، لا يتعلق الأمر بقطاع اقتصادي فحسب، بل بمسألة سيادة.
وتخشى قطاعات واسعة من أن تؤدي العضوية إلى إخضاع أيسلندا للسياسة الأوروبية المشتركة في مجال الصيد، بما قد يحد من قدرة ريكيافيك على إدارة مواردها البحرية وفرض حصصها الخاصة.
كما لعبت فكرة الحفاظ على القرار الوطني دوراً مركزياً في الحملة. فالتاريخ الحديث لأيسلندا، التي أصبحت جمهورية مستقلة عام 1944 بعد قرون من الارتباط بالدنمارك، جعل مسألة نقل الصلاحيات إلى مؤسسة فوق وطنية حساسة لدى شريحة من الناخبين.
العامل الروسي وترامب يدخلان الحسابات
لكن النقاش لم يكن اقتصادياً فقط. فقد فرضت التحولات الأمنية في القطب الشمالي وشمال الأطلسي نفسها على الاستفتاء، خصوصاً مع تصاعد التنافس بين روسيا والغرب وعودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحديث عن غرينلاند.
وتكتسب أيسلندا أهمية استراتيجية بسبب موقعها عند ممر غرينلاند-أيسلندا-المملكة المتحدة، الذي يمثل نقطة مهمة في منظومة المراقبة والدفاع الغربية في شمال الأطلسي.
والبلاد عضو مؤسس في حلف شمال الأطلسي، لكنها لا تمتلك جيشاً دائماً وتعتمد على التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة وحلفائها.
لهذا رأى مؤيدو الانضمام أن التقارب مع الاتحاد الأوروبي قد يمنح أيسلندا وزناً إضافياً في بيئة أمنية تتغير بسرعة. لكن العامل الأمني لم يكن كافياً للتغلب على المخاوف المتعلقة بالسيادة والموارد الطبيعية.
ضربة محدودة لبروكسل
يمثل التصويت خسارة سياسية للاتحاد الأوروبي، الذي يسعى في السنوات الأخيرة إلى تعزيز جاذبيته وتوسيع عضويته لأسباب اقتصادية وأمنية.
وكان من شأن انضمام أيسلندا، الدولة الغنية والمستقرة والديمقراطية والمرتبطة أصلاً بالسوق الأوروبية، أن يعزز حضور الاتحاد في شمال الأطلسي والقطب الشمالي.
لكن النتيجة تؤكد أن القرب الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى الرغبة في العضوية السياسية.
أيسلندا اختارت الإبقاء على علاقاتها الوثيقة بأوروبا من دون الانضمام إليها. والسؤال الآن ليس ما إذا كانت ريكيافيك ستبتعد عن أوروبا، بل ما إذا كان رفضها يمثل تأجيلاً جديداً للمشروع الأوروبي أم تحولاً طويل الأمد في نظرة الأيسلنديين إلى فكرة التخلي عن جزء من سيادتهم لصالح بروكسل.
