الهجرة تحرج أوروبا.. لماذا تراهن بروكسل على حفتر وميليشياته؟
الاتحاد الأوروبي أمام معادلة صعبة: وقف تدفق المهاجرين من ليبيا دون الوقوع في فخ التعاون مع قوات حفتر المتهمة بانتهاكات حقوق الإنسان


تواجه دول الاتحاد الأوروبي معضلة متزايدة في ملف الهجرة، مع ارتفاع أعداد المهاجرين القادمين عبر البحر المتوسط، ما دفع بروكسل، وفق تحقيق نشرته صحيفة "دير شبيغل" الألمانية، إلى تعزيز اتصالاتها مع السلطات التابعة لخليفة حفتر في شرق ليبيا، رغم الانتقادات المرتبطة بسجل حقوق الإنسان في المناطق الخاضعة لسيطرته.
وبحسب التحقيق، تعمل دول أوروبية على التعاون مع قوات تابعة للسلطات في شرق ليبيا بهدف الحد من انطلاق قوارب المهاجرين نحو أوروبا، خصوصًا باتجاه جزيرة كريت اليونانية. وتشمل أوجه التعاون، وفق الوثائق التي استند إليها التقرير، التدريب وتقديم التجهيزات والمساعدة في إنشاء مراكز مراقبة ورادارات لتعزيز القدرة على رصد القوارب واعتراضها.
ويأتي هذا التحرك في ظل ارتفاع أعداد المهاجرين القادمين من شرق ليبيا. فبعد أن كانت أعداد الواصلين إلى كريت من هذا المسار محدودة حتى عام 2024، ارتفع العدد إلى نحو 5 آلاف شخص في ذلك العام، قبل أن يقفز إلى نحو 20 ألفًا خلال العام الماضي، وفق المعطيات الواردة في التحقيق.
تعاون أوروبي مع سلطات حفتر
تقول "دير شبيغل" إن الاتحاد الأوروبي، الذي لا يعترف سياسيًا بحكومة شرق ليبيا، بدأ عمليًا في توسيع تعاونه معها بسبب المخاوف من تدفق موجات جديدة من المهاجرين. ويتركز التعاون على منع عمليات العبور من السواحل الواقعة تحت نفوذ قوات حفتر.
ويتضمن المسار الأوروبي، بحسب التحقيق، تدريب عناصر من خفر السواحل في شرق ليبيا، وإجراء تدريبات مشتركة في البحر، إلى جانب خطط لإنشاء مركز للتنسيق والإنقاذ البحري في بنغازي وتركيب محطة رادار جديدة.
وتأتي هذه الخطوات في إطار إعادة توجيه مهام عملية "إيريني" الأوروبية، التي أطلقت عام 2020 لمراقبة حظر الأسلحة المفروض على ليبيا. ووفق التقرير، باتت العملية الأوروبية تنخرط بصورة أكبر في ملف الهجرة وتأمين الحدود البحرية.
اتهامات بالتعاون مع ميليشيا تابعة لنجل حفتر
أثارت طبيعة العناصر الليبية المشاركة في برامج التدريب جدلًا واسعًا، إذ يشير التحقيق إلى أن بعضهم مرتبط بميليشيا "طارق بن زياد" المعروفة اختصارًا بـTBZ، والتي يقودها صدام حفتر، نجل خليفة حفتر.
وتتهم منظمات حقوقية هذه الميليشيا بارتكاب انتهاكات خطيرة، بينها التعذيب وسوء المعاملة والقتل والاختفاء القسري. ونقلت الصحيفة عن خبراء في الشأن الليبي قولهم إن الفصل بين خفر السواحل والقوات التابعة لعائلة حفتر يصعب عمليًا، نظرًا إلى النفوذ الواسع الذي يتمتع به أفراد الأسرة داخل المنظومة الأمنية في شرق ليبيا.
وفي المقابل، نفى الاتحاد الأوروبي إجراء أي تعاون مباشر مع ميليشيا "طارق بن زياد"، مؤكدًا أن برامجه تستهدف خفر السواحل الليبي. كما أوضحت وزارة الخارجية اليونانية أن الدورات التي استضافتها البلاد تضمنت تدريبًا على القانون الدولي والأوروبي.
مهاجرون بين الاحتجاز والابتزاز
بحسب التحقيق الألماني، لا تقتصر المخاوف على طبيعة التعاون الأمني، إذ تواجه ليبيا منذ سنوات انتقادات دولية بسبب أوضاع المهاجرين المحتجزين في مراكز الاحتجاز، حيث تتحدث تقارير حقوقية عن التعذيب والاستغلال وسوء المعاملة.
ويرى خبراء نقلت عنهم "دير شبيغل" أن عائلة حفتر تمتلك نفوذًا كبيرًا على طرق الهجرة في شرق ليبيا، ويمكنها التأثير في حركة القوارب باتجاه أوروبا. ويخشى منتقدون من أن يؤدي اعتماد الاتحاد الأوروبي على السلطات المحلية إلى منح حفتر ورقة ضغط إضافية في علاقاته مع أوروبا.
ويضع ذلك بروكسل أمام معادلة صعبة: الحد من الهجرة ومنع صعود أحزاب اليمين المتشدد، من جهة، وتجنب التعاون مع جهات متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان، من جهة أخرى.
ويعكس هذا الملف نهجًا أوروبيًا أوسع يعتمد على التعاون مع دول العبور للحد من الهجرة قبل وصولها إلى الأراضي الأوروبية، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مصير المهاجرين الذين يتم اعتراضهم وإعادتهم إلى ليبيا.