المسودة الأمريكية تضع الجبهة أمام اختبار حاسم: هل بدأ الخناق يضيق على جبهة البوليساريو؟
هل يتعلق الأمر بمجرد مناورة تفاوضية للضغط من أجل تعديل المسودة، أم أن الجبهة تستشعر تحولات في الموقف الدولي قد تضيق هامش تحركها الدبلوماسي؟

تجد جبهة البوليساريو نفسها أمام اختبار سياسي ودبلوماسي جديد، عقب اعتراضها على مضامين المسودة الأولية التي أعدتها الولايات المتحدة الأمريكية بشأن قضية الصحراء المغربية ومستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو). وبين رفض المقترح الأمريكي والتلويح بالانسحاب من العملية السياسية، يبرز سؤال جوهري، هل يتعلق الأمر بمجرد مناورة تفاوضية للضغط من أجل تعديل المسودة، أم أن الجبهة تستشعر تحولات في الموقف الدولي قد تضيق هامش تحركها الدبلوماسي؟
في أول تعليق لها على المسودة، أعلنت جبهة البوليساريو رفضها "أي مقاربة ترى أنها تنتقص من حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير"، معتبرة أن "المقترح الأمريكي يتضمن عناصر تتجاوز الخطوط الحمراء التي سبق أن حددتها". وشددت على أن "مبرر وجودها"، وفق تصورها، "يتمثل في تمثيل الشعب الصحراوي والدفاع عن مطالبه في الحرية والاستقلال، والعيش على أرضه باعتباره صاحب السيادة عليها". ويكشف هذا الموقف عن تمسك الجبهة بثوابتها السياسية، لكنه يطرح، في الوقت نفسه، تساؤلات بشأن قدرتها على التعامل مع أي تحول محتمل في مقاربة القوى الدولية المؤثرة في مسار النزاع. فالولايات المتحدة، بما تملكه من ثقل دبلوماسي داخل مجلس الأمن، تضطلع بدور مهم في المشاورات المتعلقة بمستقبل الملف، الأمر الذي يجعل مضامين أي مبادرة أمريكية موضع اهتمام بالغ لدى مختلف الأطراف.
وتكمن أهمية التطور الحالي في أن اعتراض البوليساريو لا يقتصر على تحفظات تقنية أو اختلافات بشأن صياغة بعض البنود، بل يمتد، بحسب تصريحاتها، إلى جوهر المقاربة المقترحة. فقد اعتبرت أن اعتماد المسودة بصيغتها الأولية، من دون إدخال تعديلات جوهرية، قد يدفعها إلى الانسحاب من العملية السياسية، في تلويح يعكس حجم التباعد بينها وبين التصور الذي تعتقد أن الوثيقة الأمريكية تتضمنه. غير أن التلويح بالانسحاب لا يعني بالضرورة أن الجبهة حسمت قرارها بإنهاء مشاركتها في المسار الأممي؛ إذ يمكن أن يندرج أيضاً ضمن أدوات الضغط التفاوضي الرامية إلى دفع مجلس الأمن إلى إعادة النظر في المقترح. ولذلك، فإن قياس مدى جدية هذا التهديد يظل مرتبطاً بما ستتخذه الجبهة من خطوات عملية، وبكيفية تفاعل الأطراف الدولية مع مطالبها.
وفي المقابل، وضعت البوليساريو مجلس الأمن أمام مسؤولياته، معتبرة أن الكرة أصبحت في ملعبه لإنقاذ العملية السياسية. كما جددت تمسكها بأن يتمثل المسار الذي تدعو إليه في تنظيم استفتاء لتقرير المصير تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة، وهو ما يعيد إلى الواجهة الخلاف بشأن طبيعة الحل السياسي الممكن وحدود ولاية المينورسو.ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت المسودة الأمريكية ستُعتمد بصيغتها الحالية أو ستخضع للتعديل، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة التوازنات الدبلوماسية التي ستحدد اتجاه المرحلة المقبلة. فإذا كانت الوثيقة تتضمن بالفعل تغييرات جوهرية في مقاربة التسوية، فقد تجد الجبهة نفسها أمام ضرورة مراجعة حساباتها السياسية، أما إذا استجابت المشاورات لبعض مطالبها، فقد يشكل ذلك مدخلاً لاحتواء التصعيد واستمرار العملية التفاوضية.
وفي جميع الأحوال، لا يمكن الجزم بأن الخناق بدأ يضيق على البوليساريو استناداً إلى موقفها الرافض وحده، ما دامت التفاصيل الكاملة للمسودة ومواقف الأطراف المعنية غير واضحة. لكن المؤكد أن تلويح الجبهة بالانسحاب يكشف عن حساسية المرحلة، ويضعها أمام معادلة دقيقة: إما التمسك بمواقفها إلى أقصى الحدود، مع ما قد يترتب على ذلك من مخاطر سياسية، أو الانخراط في مفاوضات تفرض عليها التعامل مع مقترحات لا تتطابق بالضرورة مع سقف مطالبها.
وبين التصعيد والاحتواء، تبقى الأيام المقبلة ومواقف مجلس الأمن كفيلة بالكشف عما إذا كانت المسودة الأمريكية ستفتح نافذة جديدة للتسوية، أم ستعمق الخلافات وتدفع الملف إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
