مناورات "الأسد الإفريقي 2027": استعراض استراتيجي على عتبة جنوب إسبانيا
تتمركز فعالياتها الرئيسية في مسرح "كاب درعة" جنوب المغرب، على بعد لا يتجاوز 100 كيلومتر عن سواحل جزيرتي لانزاروتي وفورتيفينتورا الإسبانيتين في أرخبيل الكناري.

وسط استعدادات مكثفة بين القيادات العسكرية المغربية والأمريكية بمدينة أكادير، بمشاركة وفود وأساطيل تمثل أكثر من 40 دولة، تتجه أنظار الدوائر العسكرية والدبلوماسية في جنوب أوروبا وشمال إفريقيا نحو النسخة المرتقبة لمناورات "الأسد الإفريقي 2027"، المقرر إطلاقها في شهر أبريل/ نيسان المقبل، وتكتسب هذه التدريبات حساسية جغرافيتها الصارخة ورهاناتها التكنولوجية الكبرى؛ إذ تتمركز فعالياتها الرئيسية في مسرح "كاب درعة" جنوب المغرب، على بعد لا يتجاوز 100 كيلومتر عن سواحل جزيرتي لانزاروتي وفورتيفينتورا الإسبانيتين في أرخبيل الكناري. هذا القرب الجغرافي المباشر يضع ميادين الذخيرة الحية والعمليات الجوية-البحرية تحت المراقبة المستمرة لأنظمة الاستطلاع الإسبانية، محولاً الشريط الأطلسي الجنوبي إلى بؤرة ترقب استراتيجي دقيق.
ولا تقتصر المتابعة الإسبانية لهذا الحدث على المدى الجغرافي المجرد، تمتد لتلامس القفزة النوعية في طبيعة الأسلحة والقدرات الميدانية الخاضعة للاختبار. فقد تجاوزت التمارين الأنماط التقليدية للحروب لتركز على إدماج الطائرات بدون طيار، وأنظمة الحرب الإلكترونية المتقدمة، وتكتيكات التشويش السيبراني والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً نحو حروب الجيلين الرابع والخامس. هذا التطور الميداني المتسارع يعيد طرح تساؤلات قلقة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية في مدريد بشأن اتساع الفجوة التكنولوجية وموازين الردع الإقليمي، خصوصاً وأن هذه القدرات تتطور في إطار شراكة استراتيجية وثيقة ومستمرة بين الرباط وواشنطن تكرس مكانة المغرب كحجر زاوية أمني رئيسي للولايات المتحدة في البوابة الغربية لإفريقيا.
وقد انعكس هذا المخاض الاستراتيجي بوضوح على صفحات الصحافة الإسبانية وخطاب أوساطها السياسية؛ حيث سارعت صحف وازنة مثل "إل باييس" و"إل كونفيديانسيال" إلى تسليط الضوء على هذه المناورات، مبرزة التخوفات الكامنة لدى تيارات واسعة من مغبة هذا الاستعراض العسكري الضخم على عتبة الحدود الإسبانية المباشرة. وفي الوقت الذي تحرص فيه الدوائر الرسمية في مدريد على تبني خطاب دبلوماسي متوازن ينفي وجود أي تهديد مباشر ويندرج ضمن منطق التعاون الأطلسي المشترك، تتعالى أصوات المعارضة ودوائر الدفاع في أرخبيل الكناري للمطالبة بمراجعة استراتيجيات التأمين الوطني، وتعزيز القدرات الدفاعية المحلية، واليقظة الدائمة أمام أي تحولات قد تمس بالتوازن الجيوسياسي في الحوض الغربي للمتوسط والمحيط الأطلسي.
تجد مدريد نفسها أمام معادلة جيوسياسية شديدة الدقة والتعقيد، تضع صانع القرار الإسباني بين خيارين أحلاهما مر؛ فهو ملزم من جهة بالحفاظ على أواصر حسن الجوار والشراكة الاستراتيجية الحساسة مع الرباط، بينما يتابع من جهة أخرى بعين الحذر والاهتمام البالغ تمدد البنية التحتية والتقنية العسكرية المغربية على بعد خطوة واحدة من حدوده الجنوبية. هذا التوازن الحرِج بين مقتضيات الدبلوماسية وهواجس الأمن القومي يجعل من مناورات "الأسد الإفريقي" اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على إدامة الاستقرار الإقليمي وسط تحولات تكنولوجية وجيواستراتيجية متسارعة.
