فاس تفتح خزائن الذاكرة: متحف الثقافة اليهودية المغربية يكتب فصلا من تاريخ المغرب
تكمن أهمية متحف الثقافة اليهودية المغربية في أنه لا يعرض اليهودية المغربية بوصفها ثقافة وافدة أو ذاكرة منفصلة، بل يقدمها باعتبارها مكوّنًا أصيلًا من مكونات التراث الوطني.

في قلب ملاح فاس، يفتح متحف الثقافة اليهوجية المغربية أبوابه للزوار يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول الجاري حيث لا تزال الأزقة تحفظ وقع الخطى القديمة، وحيث تتجاور آثار العبادة والتجارة والعلم، ينهض المتحف بوصفه أكثر من مؤسسة لحفظ التحف والوثائق. إنه محاولة لإعادة تركيب ذاكرة وطنية ظلت قرونًا تتشكل في الظل، وإدراج مكوّن يهودي أصيل في السردية الكبرى للمغرب، باعتباره جزءًا من نسيجها لا هامشًا عليها.
ليس المتحف مجرد مكان تُرصّ فيه الأشياء خلف الواجهات الزجاجية، وإنما فضاء تستعيد فيه الأشياء قدرتها على الكلام. هنا، يصبح المخطوط شاهدًا، والحلية وثيقة، واللباس سيرة اجتماعية، ولفافة التوراة أثرًا دينيًا وثقافيًا، والملاح نفسه نصًا مفتوحًا على قرون من التعايش والتفاعل والتبادل.
خلال زيارة العاهل المغربي محمد السادس لمدينة فاس في أبريل/نيسان 2019، أعطى انطلاقة أشغال بناء متحف الثقافة اليهودية المغربية، في إطار برنامج تأهيل المدينة العتيقة وتثمين موروثها الحضاري. وفي السياق نفسه، انطلقت أشغال ترميم قصر البطحاء، الذي أصبح متحفًا لفنون الإسلام وفتح أبوابه أمام الجمهور سنة 2025. وإذا كانت المسافة بين المتحفين لا تتجاوز نحو مائة متر في خط مستقيم، فإن ما يجمعهما أعمق من قرب المكان. فهما يقدمان، كل من موقعه، وجهين متكاملين لذاكرة مغربية متعددة الروافد: هنا فنون الإسلام، وهناك الثقافة اليهودية المغربية؛ وهنا وهناك تتأكد حقيقة أن التراث المغربي لم يكن يومًا نسيجًا أحادي اللون.
تكمن أهمية متحف الثقافة اليهودية المغربية في أنه لا يعرض اليهودية المغربية بوصفها ثقافة وافدة أو ذاكرة منفصلة، بل يقدمها باعتبارها مكوّنًا أصيلًا من مكونات التراث الوطني. وفي هذا المعنى، فإن المتحف لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يعيد ترتيب موقعه داخل الوعي المغربي. وقد صُمم المشروع بمشاركة الطائفة اليهودية المغربية، ولا سيما سيرج بيردوغو، الرئيس المؤسس لمؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي، ليكون فضاءً للذاكرة ونقل الموروث وتقاسمه. وتتنوع مجموعاته بين القطع الطقسية والاستعمالية، والآثار الإثنوغرافية والفنية، والمخطوطات والكتب النادرة، والأزياء والحلي، والأدوات الحرفية والآلات الموسيقية، فضلًا عن الوثائق والشهادات التي تحفظ تفاصيل الحياة اليومية.
غير أن قيمة هذه المجموعات لا تنبع من ندرتها أو قدمها فحسب؛ فقيمتها الأعمق أنها تكشف عن حياة عاشها الناس فعلًا: صلوا وتاجروا وتعلموا واحتفلوا وتزوجوا ومارسوا الحرف، وتركوا وراءهم آثارًا مادية تشهد على حضورهم في المدن والقرى والأسواق والملاحات المغربية.لم يكن اختيار موقع المتحف اعتباطيًا. فهو يوجد في قلب ملاح فاس، في موقع قدمته الطائفة اليهودية بالمدينة، ضمن مجال شديد الصلة بتاريخ اليهود المغاربة. ويعود تأسيس ملاح فاس إلى سنة 1438، ليصبح واحدًا من أقدم الأحياء اليهودية المنظمة في المغرب. ولذلك فإن زيارة المتحف تبدأ، في الحقيقة، قبل الوصول إلى قاعات العرض؛ تبدأ من المكان نفسه، من الجدران والأزقة والفضاء العمراني الذي كان مسرحًا لحياة جماعية امتدت قرونًا.
وقد حرص تصميم المبنى على الانسجام مع عمارة المدينة العتيقة، فاستحضر عناصر مغربية أصيلة، من الزليج والجبس المنقوش والخشب المصبوغ إلى النافورة الرخامية في فضاء الاستقبال. وأنجزت وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، بصفتها صاحبة المشروع، أشغال البناء والتهيئة بتنسيق مع المؤسسة الوطنية للمتاحف والفرق المتخصصة.
واكتملت الأشغال في مارس/ أذار من عام 2023، على مساحة إجمالية تتجاوز 1700 متر مربع، خصص نحو 1200 متر مربع منها لفضاءات العرض.
في الطابق الأرضي، يقترح المتحف على زائره عبور أكثر من ألفين وخمسمائة سنة من التاريخ اليهودي في المغرب. يبدأ المسار من أقدم الشواهد التاريخية، ويمر بتاريخ فاس وتأسيس الملاح سنة 1438، ثم بوصول اليهود المطرودين من الأندلس سنة 1492، ليتابع تطور الطوائف اليهودية في مجالات العلم والتجارة والحياة الاجتماعية والروحية، وصولًا إلى العصر الحديث والمعاصر. إنها رحلة زمنية لا تريد أن تجعل اليهود المغاربة مجرد موضوع تاريخي، وإنما تقدمهم بوصفهم فاعلين في التاريخ المغربي. وتساعد الوثائق والمخطوطات والوسائط السمعية البصرية على إعادة وضع هذه التجربة في سياقها الأوسع، وإبراز مساهمة الطوائف اليهودية في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمملكة. ويستوقف الزائر، على نحو خاص، القسم المخصص للشخصيات الدينية والفكرية، ولا سيما الحاخامات وأعلام التقليد الحاخامي المغربي. وتكتسب هذه المحطة قوة رمزية إضافية من النوافذ المطلة على المقبرة اليهودية، حيث يصبح المشهد الخارجي امتدادًا للمعرض الداخلي، وتتحول المقبرة من مجرد فضاء مجاور إلى ذاكرة حية تطل على المتحف.
إذا كان الطابق الأرضي يروي التاريخ في امتداده الزمني، فإن الطابق العلوي ينزل إلى تفاصيل الحياة اليومية. هنا يظهر المعبد والمدرسة العبرية والمحكمة الحاخامية والملاح ومؤسساته، في قراءة تجمع بين التاريخ والأنثروبولوجيا.ويمنح المتحف دورة الحياة مساحة بارزة؛ من الولادة والختان إلى البلوغ والزواج ثم الوفاة. وتتحول القطع المعروضة إلى مفاتيح لقراءة المجتمع: كرسي الختان، وملابس الزواج، والحلي، وأكياس الطاليت، وعقود الزواج اليهودية «الكتوبات»، وزي العروس «الكسوة الكبيرة»، وستائر خزانة التوراة المقدسة.ومن خلال هذه التفاصيل يتضح أن الدين لم يكن طقسًا منفصلًا عن الحياة، بل كان حاضرًا في بنيتها اليومية، متكيفًا مع البيئات والجهات المختلفة للمغرب.وتكشف الأزياء التقليدية بدورها عن هذا التنوع؛ من «أخنيف» الجنوب، وهو رداء تقليدي للرجال، إلى أزياء تافياللت، بما تحمله من إشارات إلى الخصوصيات المحلية والاجتماعية.
ومن أكثر أقسام المتحف إثارة لقيمة التراث المادي ذلك المخصص للحرف التقليدية، ولا سيما صياغة الحلي التي مارسها حرفيون يهود في عدد من المناطق المغربية.وقد أعيد تشكيل ورشة تقليدية لصائغ حلي، بأدواتها ومعداتها ومجسماتها، بما يجعل الزائر يدخل إلى فضاء العمل نفسه، قبل أن يتأمل ما أنتجته تلك الأيدي من عقود ومشابك ومعلقات فضية وأشكال من الحلي التقليدية.ولا تنحصر الحرفة في صياغة المعادن؛ فالمتحف يستحضر النسيج والحياكة والأزياء والحلي والموسيقى والعناصر المرتبطة بالعمارة المنزلية. وبذلك تتحول القطعة من شيء للفرجة إلى وثيقة اجتماعية، تقرأ من خلالها طرائق العيش والذوق والمكانة الاجتماعية والخصوصية الجهوية.
في زمن تتغير فيه علاقة الجمهور بالمتاحف، لم يُصمم هذا الفضاء ليكون مجرد خزينة للتراث. فقد روعي في المشروع توفير شروط الحفظ الوقائي والأمن وتتبع المجموعات، إلى جانب اعتماد الوسائط السمعية البصرية والتقنيات الرقمية.وتحتل الوساطة الثقافية مكانة أساسية في التجربة، خصوصًا بالنسبة إلى الأطفال والشباب والمجموعات المدرسية، من خلال الورشات والأنشطة التربوية والفضاءات التفاعلية. فالغاية ليست أن يرى الزائر القطعة فقط، بل أن يفهمها، وأن يكتشف ما وراءها من حكاية وسياق ودلالة.وهنا تتجلى وظيفة المتحف الحديثة: أن يحفظ المادة، لكنه يحفظ معها المعنى؛ أن يصون الوثيقة، لكنه يتيح لها أن تدخل في حوار مع الحاضر.
في النهاية، يبدو متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس أشبه بصفحة أُعيد فتحها من كتاب قديم. لكنه لا يفعل ذلك بدافع الحنين وحده، وإنما لإعادة الاعتبار إلى ذاكرة مكون من مكونات المجتمع المغربي، وإدراجها في سردية وطنية أوسع.إنه متحف للثقافة اليهودية، نعم، لكنه في العمق متحف للمغرب أيضًا؛ لأن تاريخ اليهود المغاربة ليس تاريخ جماعة منفصلة عن البلاد، بل جزء من تاريخ البلاد نفسها. ومن هذه الزاوية، يصبح قربه من متحف فنون الإسلام أكثر من مجرد مصادفة عمرانية. فالمتحفان، في فضاء فاس العتيقة، يقدمان معًا صورة لتراث تشكل عبر التعدد والتفاعل، وتؤكد أن الذاكرة الوطنية لا تزداد غنى حين تحذف اختلافاتها، بل حين تعرف كيف تحفظها وتجاورها وتقرأها ضمن سياقها المشترك.
وهكذا تستعيد فاس دورها القديم: مدينة لا تكتفي بحراسة الماضي، بل تعيد تأويله. وبين الملاح وقصر البطحاء، بين المخطوط والحلية، وبين التوراة والزليج، تتشكل أمام الزائر صورة مغربٍ تتعدد روافده، وتتآلف في ذاكرته الأزمنة والأديان والثقافات. إنه مغرب يرى في تراثه اليهودي جزءًا من ذاته، لا أثرًا غريبًا عنها؛ وفي تعدده مصدرًا للغنى؛ وفي الذاكرة، حين تُصان بعين المعرفة لا بعين الانتقاء، جسرًا يصل الماضي بالمستقبل.
