سبتة ومليلية على صفيح ساخن: تحرك عسكري إسباني وتصعيد في الخطاب المغربي
يضع هذا التصعيد الخطابي والتحرك العسكري الإسباني قضية سبتة ومليلية مجددا في قلب العلاقة بين الرباط ومدريد، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة مسارا واضحا نحو تعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي.

عاد ملف سبتة ومليلية إلى واجهة التوتر السياسي بين المغرب وإسبانيا، بالتزامن مع تحركات عسكرية إسبانية لافتة وتصاعد التصريحات المغربية التي تعيد التأكيد على المطالب المرتبطة بالمدينتين والجزر المحتلة. وفي هذا السياق، أجرى رئيس أركان الدفاع الإسباني، الأميرال تيودورو إستيبان لوبيز كالديرون، زيارتين متتاليتين إلى سبتة ومليلية، هدفتا، بحسب المعطيات الرسمية الإسبانية، إلى تفقد القوات المنتشرة في المدينتين والاطلاع على أوضاعها الميدانية، إلى جانب عقد لقاءات مع المسؤولين المدنيين والعسكريين.
وحلّ لوبيز كالديرون، أمس الجمعة، بمدينة سبتة، حيث التقى عددا من المسؤولين المدنيين والعسكريين، في مقدمتهم رئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس. وكان رئيس أركان الدفاع الإسباني قد زار مليلية، الخميس المنصرم، حيث عقد بدوره لقاءات مع القيادات العسكرية والسلطات المدنية، من بينها مندوبة الحكومة الإسبانية.
ولا تبدو التحركات الإسبانية معزولة عن عودة ملف سبتة ومليلية إلى الخطاب السياسي المغربي، بعدما صدرت خلال الأسابيع الأخيرة تصريحات عن مسؤولين حكوميين مغاربة أعادت التأكيد على استمرار حضور قضية الثغرين والجزر في الموقف الرسمي للمملكة. وعلى المستوى العسكري، حافظت إسبانيا على انتشار كثيف لقواتها في المدينتين. ففي سبتة ينتشر أكثر من 2500 عسكري، بينما يناهز عدد أفراد القوات المسلحة الإسبانية في مليلية 3200 عسكري، يتمركز معظمهم ضمن القيادة العامة لمليلية التابعة لقيادة جزر الكناري. ويعكس هذا الانتشار حجم الأهمية التي توليها مدريد للثغرين، باعتبارهما نقطتين استراتيجيتين على الضفة الجنوبية للمتوسط، فضلا عن كونهما جزءا أساسيا من الحسابات الأمنية الإسبانية والأوروبية المرتبطة بالحدود والهجرة والأمن الإقليمي.
في المقابل، شهد الخطاب السياسي المغربي خلال الفترة الأخيرة عودة واضحة إلى قضية سبتة ومليلية. فقد أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في تصريحات صحفية سابقة، أن قضية المدينتين ستظل حاضرة في الحوار المغربي الإسباني، مشيرا إلى ما يعتبره المغرب حقا تاريخيا وجغرافيا فيهما، وداعيا إلى إيجاد حل نهائي لهذا الملف.
كما أثار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، بحضور الملك محمد السادس، مسألة تحرير الثغور، في إشارة أعادت القضية إلى دائرة النقاش السياسي، وأثارت بدورها رد فعل إسبانيا التي جددت تأكيدها أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان، وأنهما تمثلان، في الخطاب الرسمي الإسباني، الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي. ولم يغب الملف أيضا عن تصريحات وزير التجهيز والماء نزار بركة، الذي رد على تأكيد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن سبتة ومليلية ستظلان إسبانيتين «إلى الأبد»، بالتشديد على أن المغرب يعتبر إسبانيا شريكا أساسيا، لكنه «لن يتراجع شبرا واحدا عن أراضيه».
وتكتسب هذه الزيارات أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي في ظل استمرار تداعيات الاقتحام الجماعي الذي شهدته سبتة في 30 يوليو/ تموز المنصرم، وما أعقبه من نقاش سياسي وأمني داخل إسبانيا بشأن الوضع في الثغرين، ومستوى الجاهزية العسكرية والأمنية فيهما.
ويضع هذا التصعيد الخطابي والتحرك العسكري الإسباني قضية سبتة ومليلية مجددا في قلب العلاقة بين الرباط ومدريد، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة مسارا واضحا نحو تعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي. غير أن ملف الثغرين يظل، رغم هذا التقارب، أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين؛ فبينما تتمسك مدريد بموقفها القائم على اعتبار سبتة ومليلية جزءا من الأراضي الإسبانية، يواصل المغرب التأكيد على أن مسألة السيادة عليهما تندرج ضمن قضايا التاريخ والجغرافيا التي لم تُحسم بعد.
وبين تعزيز الحضور العسكري الإسباني، وتصاعد الخطاب المغربي، وتمسك كل طرف بموقفه من السيادة، يبدو أن سبتة ومليلية تستعيدان مكانتهما كعنوان دائم للتوتر الكامن في العلاقات المغربية الإسبانية، حتى وإن ظل هذا التوتر محكوما، في الوقت الراهن، بسقف الشراكة التي تحرص الرباط ومدريد على عدم المساس بها.
