سبتة في عين العاصفة: قتلى في البحر واستنفار إسباني وتنسيق مغربي لاحتواء موجة الهجرة
"انتشال ثماني عشرة جثة من مياه البحر الأبيض المتوسط قرب معبر تراخال ومنطقة بينزو المجاورة، فيما لا تزال عمليات البحث جارية عن مفقودين يُرجح أن يكونوا قد غرقوا خلال محاولات العبور.

تشهد الحدود البحرية والبرية المحيطة بمدينتي سبتة ومليلية، الخاضعتين للإدارة الإسبانية شمال المغرب، تصعيداً غير مسبوق في محاولات الهجرة غير النظامية، بعدما أودت موجة العبور الأخيرة بحياة ما لا يقل عن تسعة عشر مهاجراً، وفق معطيات رسمية إسبانية، في وقت تدفق فيه ما بين 1500 وألفي مهاجر نحو سبتة خلال أيام معدودة، الأمر الذي دفع مدريد إلى اتخاذ إجراءات أمنية استثنائية شملت نشر وحدات من الجيش، وإغلاق معبر بني نصار المؤدي إلى مليلية، إلى جانب تفعيل آليات إعادة المهاجرين غير النظاميين إلى المغرب.
وتحولت سواحل سبتة خلال الأيام العشرة الماضية إلى مسرح متواصل لعمليات الإنقاذ وانتشال الجثث، بعدما لقي عدد من المهاجرين مصرعهم أثناء محاولتهم بلوغ المدينة سباحة أو عبر وسائل بدائية. وأفادت صحيفة "إلباييس"، نقلاً عن مصادر أمنية وفرق الإنقاذ البحري، بأن "ثماني عشرة جثة انتُشلت من مياه البحر الأبيض المتوسط قرب معبر تراخال ومنطقة بينزو المجاورة، فيما لا تزال عمليات البحث جارية عن مفقودين يُرجح أن يكونوا قد غرقوا خلال محاولات العبور.
وأمام الضغط الكبير الذي فرضته هذه التدفقات، ولا سيما مع وجود أعداد كبيرة من القاصرين، عززت الحكومة الإسبانية انتشارها الأمني بإرسال وحدات عسكرية لمساندة الحرس المدني والشرطة، اللذين واجها استنزافاً ميدانياً واضحاً. كما دعا رئيس الحكومة المحلية في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، السلطات المركزية في مدريد إلى إعلان حالة طوارئ وطنية لمواجهة الوضع الاستثنائي الذي تعرفه المدينة.
وترى السلطات الإسبانية أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت حكماً حديثاً للمحكمة العليا الإسبانية يقضي بعدم جواز تطبيق إجراءات الإعادة الفورية على المهاجرين الذين يصلون سباحة إلى سبتة، مع قصر هذا الإجراء على من يقتحمون السياجات الحدودية البرية. واعتبرت وزارة الداخلية الإسبانية أن هذا المستجد القضائي شجع شبكات التهريب على دفع مزيد من الشباب إلى خوض رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، مستغلة ما تروج له من صعوبات قانونية تحول دون إعادتهم بشكل عاجل.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى مدينة مليلية، حيث أعلنت السلطات الإسبانية إغلاق معبر بني نصار عقب محاولات اقتحام جماعية نفذتها مجموعات تضم مئات المهاجرين. وأوضح رئيس حكومة مليلية الذاتية، خوان خوسيه إمبرودا، أن عدد الوافدين الذين تمكنوا من دخول المدينة تراوح بين 300 و400 شخص، جرى نقل معظمهم إلى مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، مؤكداً أن الوضع الأمني في مليلية لا يزال تحت السيطرة، بخلاف ما تشهده سبتة من ضغوط متزايدة.
وفي المقابل، أشاد المسؤول الإسباني بفعالية التنسيق الميداني بين الحرس المدني والشرطة الإسبانية والقوات العمومية المغربية، مؤكداً أن التعاون الأمني بين الجانبين أسهم في تفريق التجمعات الكبيرة وإحباط العديد من محاولات التسلل قبل وصولها إلى السياج الحدودي.
كما كشف مصدر دبلوماسي مغربي عن اتفاق الرباط ومدريد على تعزيز التنسيق الأمني وتكثيف الجهود المشتركة للتصدي لتدفقات الهجرة غير النظامية، مع مراجعة وتفعيل الإجراءات القانونية المتعلقة بإعادة الأشخاص الذين دخلوا المدينتين بصورة غير مشروعة. وفي السياق ذاته، أثنت وزارة الداخلية الإسبانية على ما وصفته بـ"التعاون النموذجي" الذي يجمع البلدين في مختلف المجالات، وفي مقدمتها إدارة ملفات الهجرة ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، بما يعكس حرص الطرفين على احتواء الأزمة والحد من تداعياتها الإنسانية والأمنية.
