البرازيل أمام مفترق طرق: لولا أم بولسونارو؟
انتخابات رئاسية متقاربة تحدد مستقبل علاقات برازيليا بالولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة الفلسطينية و«بريكس» ودور الدولة في الاقتصاد

يتوجه البرازيليون، الأحد، إلى صناديق الاقتراع في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، في مواجهة بين الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والمرشح اليميني فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو. ولا تقتصر أهمية الانتخابات على تحديد هوية الرئيس المقبل لأكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية، بل تمتد إلى مستقبل السياسة الخارجية البرازيلية، وعلاقاتها بالولايات المتحدة وإسرائيل، وموقفها من القضية الفلسطينية، فضلاً عن انعكاساتها على التوازنات السياسية في المنطقة.
وتأتي الانتخابات في ظل انقسام داخلي حاد، بعدما تقدم فلافيو في الجولة الأولى التي جرت في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، بحصوله على 47.03% من الأصوات الصحيحة، مقابل 45.16% للولا. وأظهرت استطلاعات نشرت عشية الاقتراع تقارباً شديداً بين المرشحين، إذ منح استطلاع «داتافولا» فلافيو 48% مقابل 47% للولا، ضمن هامش خطأ يبلغ نقطتين مئويتين.
الولايات المتحدة وإسرائيل في قلب المنافسة
تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف بين المرشحين في طبيعة العلاقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فبينما يدافع لولا عن سياسة خارجية مستقلة تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز التعاون مع دول الجنوب العالمي ومجموعة «بريكس»، يتبنى فلافيو توجهاً أكثر تقارباً مع واشنطن، ويطرح توسيع التعاون الاقتصادي والأمني معها، بما في ذلك استثمار الموارد المعدنية البرازيلية.
وتحولت الرسوم الجمركية الأميركية والعقوبات التي فرضتها واشنطن على خلفية ملاحقة جايير بولسونارو قضائياً إلى جزء من السجال الانتخابي. ويرى معسكر لولا أن تدخل ترامب يعكس محاولة للتأثير في السياسة الداخلية البرازيلية، فيما يقدم فلافيو التقارب مع الإدارة الأميركية باعتباره فرصة لتعزيز العلاقات التجارية والأمنية.
وتكتسب المعادن الاستراتيجية أهمية خاصة في هذا التنافس، نظراً إلى امتلاك البرازيل احتياطيات مهمة من العناصر الأرضية النادرة التي تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين مصادر بديلة لها بعيداً عن الصين. وفي حين يبدي لولا انفتاحاً على الاستثمار الأجنبي مع التشديد على التصنيع داخل البرازيل، يطرح فلافيو توسيع التعاون مع واشنطن في هذا المجال.
خلاف واضح بشأن إسرائيل والسلطة الفلسطينية
يبرز التباين بين المرشحين بوضوح في الملف الإسرائيلي الفلسطيني. فقد شهدت العلاقات بين البرازيل وإسرائيل تدهوراً كبيراً خلال رئاسة لولا، على خلفية الحرب في غزة، التي وصفها الرئيس البرازيلي بأنها "إبادة جماعية"، وانتقاده المتكرر للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
في المقابل، أعلن فلافيو تأييده لتعزيز العلاقات مع إسرائيل، وتعهد بنقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس والانضمام إلى اتفاقات أبراهام. كما حظي بدعم علني من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في مؤشر إلى الرهان الإسرائيلي على تغيير محتمل في توجهات السياسة الخارجية البرازيلية.
ومن شأن فوز فلافيو أن يفتح الباب أمام تحول في العلاقات الثنائية، سواء على المستوى الدبلوماسي أو في ملفات التعاون السياسي والأمني، بينما سيعني استمرار لولا في الرئاسة مواصلة نهج أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، مع الحفاظ على توجه برازيلي يدعو إلى تسوية سياسية للصراع.
ولا ينفصل هذا الملف عن التنافس الأوسع على توجهات أميركا اللاتينية، حيث يمكن للتحولات السياسية في البرازيل، بالنظر إلى ثقلها الاقتصادي والدبلوماسي، أن تؤثر في مواقف دول المنطقة من الولايات المتحدة والشرق الأوسط والقضايا الدولية.
الاقتصاد والعدالة الاجتماعية في مواجهة التقشف
داخلياً، يتنافس المرشحان على تقديم رؤيتين مختلفتين لإدارة الاقتصاد. ويدافع لولا عن استمرار البرامج الاجتماعية ودور الدولة في الحد من التفاوت الاقتصادي، مستنداً إلى نمو الاقتصاد وتراجع البطالة خلال السنوات الأخيرة، رغم ارتفاع الدين العام وكلفة خدمة الدين.
أما فلافيو، فيطرح خفض الضرائب وتقليص الجهاز الإداري وتحسين الوضع المالي للدولة، مع التعهد بالحفاظ على الإنفاق الاجتماعي. غير أن تنفيذ هذه الوعود سيعتمد على قدرته على إقرار إصلاحات مالية والحصول على دعم البرلمان، في ظل صعوبة التوفيق بين خفض الإنفاق وتحسين الخدمات العامة.
وتشير تجارب حكومات يمينية في أميركا اللاتينية إلى أن التقارب مع واشنطن والسياسات المالية الأكثر تشدداً لا يضمنان وحدهما تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو احتواء الضغوط الاجتماعية، كما أن استمرار البرامج الاجتماعية لا يلغي تحديات الدين والتضخم وكلفة المعيشة.
برلمان منقسم وتحديات ما بعد الانتخابات
لن يتوقف مستقبل البرازيل على نتيجة التصويت الرئاسي وحدها، إذ عزز اليمين حضوره في البرلمان خلال انتخابات الجولة الأولى، ما قد يفرض قيوداً على قدرة لولا، في حال فوزه، على تنفيذ برنامجه، أو يمنح فلافيو، إذا انتُخب، قاعدة تشريعية أوسع لدفع أجندته السياسية والاقتصادية.
وتبقى أحزاب الوسط عاملاً أساسياً في تشكيل التحالفات البرلمانية، بما يجعل تمرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتغييرات المؤسسية رهناً بالمفاوضات داخل الكونغرس.
وبذلك، تتجاوز انتخابات البرازيل الاختيار بين مرشحين إلى تحديد اتجاهات البلاد في ملفات الاقتصاد والديمقراطية والسياسة الخارجية. فنتيجتها ستؤثر في علاقة برازيليا بواشنطن وتل أبيب، وموقعها داخل «بريكس»، ومواقفها من القضايا الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما ستحدد حدود التوازن بين متطلبات الاستقرار المالي والالتزامات الاجتماعية في السنوات المقبلة.
