واشنطن تفتح جبهة الإصلاح داخل الأمم المتحدة: هل تقترب نهاية بعثات حفظ السلام بما فيها"المينورسو"و"اليونيفيل"؟
أكد السفير الأميركي أن بلاده تعمل على إصلاح الطريقة التي تُنفذ بها عمليات حفظ السلام، مشيراً إلى توجه واشنطن نحو إنهاء هذه العمليات في لبنان والصومال والصحراء المغربية

تتجه الإدارة الأميركية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، نحو إعادة رسم ملامح الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة في إدارة النزاعات الدولية، عبر الدفع باتجاه تقليص حجم المنظمة ومراجعة نفقات مؤسساتها وبعثاتها الميدانية، وفي مقدمتها عمليات حفظ السلام التي ظلت لعقود إحدى أبرز أدوات التدخل الأممي في مناطق التوتر والصراعات الممتدة. ويكشف هذا التوجه عن رغبة أميركية في إخضاع منظومة العمل الدولي لمراجعة شاملة، تستند إلى معايير الفعالية والتكلفة والقدرة على تحقيق تسويات سياسية مستدامة.
وفي هذا السياق، أعلن السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن الرئيس ترامب كلّفه بإجراء إصلاحات داخل المنظمة الدولية، بهدف تقليص حجمها وإعادة النظر في آليات اشتغالها. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية على عدد من وكالات الأمم المتحدة، من خلال خفض التمويل المخصص لها، في مسعى لدفعها إلى تبني إصلاحات تصفها واشنطن بالضرورية، سواء على مستوى النفقات أو طبيعة المهام والنتائج المحققة. ولا يقتصر هذا التوجه على مراجعة الميزانيات أو تقليص الهياكل الإدارية، يمتد إلى جوهر فلسفة حفظ السلام، التي شكلت، منذ عقود، إحدى الركائز الأساسية لتدخل الأمم المتحدة في بؤر النزاع. فالإدارة الأميركية باتت تتساءل عن الجدوى من استمرار بعثات أممية في مناطق لم تنجح، رغم مرور سنوات طويلة على انتشارها، في وضع حد نهائي للتوترات أو تهيئة الظروف الكفيلة بإرساء تسويات سياسية دائمة.
وأوضح والتز أن بعض بعثات حفظ السلام ظلت قائمة لمدة ثلاثين أو أربعين أو حتى خمسين سنة، فيما تصل تكاليف أخرى إلى نحو مليار دولار سنوياً. واعتبر أن استمرار هذه العمليات لا يؤدي بالضرورة إلى حل النزاعات، بل قد يسهم، في بعض الحالات، في إبقائها مجمدة، من خلال إدارة مظاهرها الأمنية دون معالجة أسبابها السياسية العميقة. وتعكس هذه المقاربة الأميركية تحولاً في النظرة إلى عمليات حفظ السلام، من اعتبارها آلية ضرورية لاحتواء الأزمات ومنع اتساع رقعتها، إلى التعامل معها باعتبارها التزاماً مالياً وسياسياً ينبغي إخضاعه لتقييم دوري صارم. فبدلاً من استمرار البعثات بصورة مفتوحة، تدفع واشنطن نحو ربط بقائها بمدى قدرتها على تحقيق تقدم ملموس، وتحديد سقف زمني لمهامها، مع إعطاء الأولوية للمسارات السياسية التي يمكن أن تفضي إلى تسويات نهائية.
وفي هذا الإطار، أكد السفير الأميركي أن بلاده تعمل على إصلاح الطريقة التي تُنفذ بها عمليات حفظ السلام، مشيراً إلى توجه واشنطن نحو إنهاء هذه العمليات في لبنان والصومال والصحراء الغربية. ويكتسي إدراج هذه المناطق أهمية خاصة، بالنظر إلى اختلاف طبيعة النزاعات القائمة فيها، وتباين السياقات السياسية والأمنية التي تعمل ضمنها البعثات الأممية.
ففي لبنان، ترتبط مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة، المعروفة باسم "اليونيفيل" بمراقبة الوضع الأمني في الجنوب والمساهمة في تنفيذ الترتيبات المرتبطة بالقرار الأممي 1701. أما في الصومال، فتندرج الجهود الدولية ضمن سياق أمني معقد يتداخل فيه بناء مؤسسات الدولة مع مواجهة الجماعات المسلحة. وفي الصحراء الغربية، تضطلع بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية "المينورسو" بمهمة ترتبط أساساً بمسار النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو، في ظل تعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية نهائية.
ويثير الحديث عن إنهاء هذه البعثات تساؤلات بشأن البدائل التي يمكن أن تعتمدها الأمم المتحدة، ومدى استعداد الأطراف المعنية لتحمل مسؤوليات أكبر في تدبير الأوضاع الأمنية والسياسية بعد انسحاب القوات الدولية. كما يطرح إشكالية التوفيق بين ضرورة ترشيد الإنفاق الأممي، من جهة، ومخاطر ترك فراغ ميداني قد تستغله أطراف النزاع أو الجماعات المسلحة، من جهة أخرى.
وبين من يرى في المراجعة الأميركية فرصة لإعادة الاعتبار إلى فعالية الأمم المتحدة وإجبارها على تجاوز نماذج التدخل التي طال أمدها دون نتائج حاسمة، ومن يحذر من أن تقليص عمليات حفظ السلام قد يضعف أدوات الوساطة الدولية ويهدد الاستقرار الهش في مناطق النزاع، تبدو المنظمة الدولية أمام اختبار صعب.
فإنهاء مهمة أممية لا يعني بالضرورة إنهاء النزاع الذي أوجدها، كما أن استمرارها لعقود لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على فشلها الكامل. ويبقى التحدي الحقيقي في قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمات إلى تسويتها، ومن تمويل الحضور الميداني إلى بناء شروط السلام الدائم.
