الاشتراكيون يعيدون رسم خريطة اليسار الفرنسي قبل الرئاسيات
هزيمة داخلية لأمين الحزب أوليفييه فور تفتح الطريق أمام رافاييل غلوكسمان.. والانقسامات تمنح ميلانشون أفضلية مبكرة في سباق 2027

أعاد الحزب الاشتراكي الفرنسي خلط أوراق معسكر اليسار قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع عام 2027، بعدما حسم أعضاؤه آلية اختيار مرشح الحزب، في خطوة اعتُبرت انتكاسة سياسية للأمين العام أوليفييه فور، وقد تؤثر في موازين القوى داخل اليسار الفرنسي خلال الأشهر المقبلة.
وصوّت 55.5% من أعضاء الحزب لصالح تنظيم انتخابات تمهيدية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل تقتصر على أعضاء الحزب والقوى المنضوية في ما يعرف بـ"القطب الاشتراكي"، مقابل 44.5% أيدوا مقترح فور القاضي بإجراء انتخابات تمهيدية مفتوحة أمام جميع المتعاطفين مع اليسار.
وشارك نحو 15 ألف عضو في الاقتراع، الذي مثّل أول هزيمة تنظيمية لفور منذ توليه قيادة الحزب عام 2018، وكشف عن تراجع نفوذ تياره داخل المؤسسة الحزبية.
نهاية مشروع "التمهيديات الموسعة"
ويعني القرار الجديد أن الفائز في اقتراع أكتوبر سيكون مرشح المعسكر الاشتراكي، دون المرور بانتخابات تمهيدية أوسع مع حزب "البيئيين" وبقية قوى اليسار، على أن تتركز المرحلة اللاحقة على التفاوض بشأن تحالفات انتخابية وبرنامج مشترك.
وبذلك، يُطوى عملياً مشروع الانتخابات التمهيدية الموسعة الذي طُرح منذ عام 2025 بهدف توحيد القوى اليسارية الرافضة لقيادة زعيم حزب "فرنسا الأبية"، جان لوك ميلانشون.
أزمة قيادة داخل الحزب
ويأتي هذا التطور في ظل أزمة داخلية يشهدها الحزب الاشتراكي منذ أشهر، بلغت ذروتها في مايو/أيار الماضي مع انسحاب رئيس الكتلة البرلمانية بوريس فالو وعدد من أنصاره من الهيئات القيادية، احتجاجاً على ما وصفوه بانفراد أوليفييه فور بالقرار وتأخره في حسم استراتيجية الحزب للانتخابات الرئاسية.
ورغم أن فور أعلن احترامه لنتائج التصويت وتعهد بتنفيذ قرار الأعضاء، فإن الهزيمة الداخلية تعكس تراجع موقعه داخل الحزب، بينما دعا فالو القيادة إلى تجاوز الخلافات الداخلية والتركيز على الاستعداد للاستحقاق الرئاسي.
غلوكسمان أبرز المستفيدين
وتفتح نتائج التصويت الباب أمام صعود النائب الأوروبي رافاييل غلوكسمان، زعيم حزب "ساحة عامة"، الذي يسعى منذ أشهر إلى الحصول على دعم الحزب الاشتراكي، بما يمنحه قاعدة تنظيمية وانتشاراً وطنياً لا يمتلكهما حزبه الصغير.
كما أن النظام الجديد يجنّب غلوكسمان خوض انتخابات تمهيدية مع بقية مكونات اليسار، ويضعه في موقع متقدم للمنافسة على تمثيل التيار الاشتراكي والديمقراطي الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أطلق غلوكسمان، بالتعاون مع بوريس فالو والسيناتور البيئي يانيك جادو، مبادرة "بناء 2027"، التي تهدف إلى تشكيل قطب يساري معتدل مستقل عن توجهات ميلانشون.
منافسة مفتوحة داخل الاشتراكيين
ورغم اعتباره المرشح الأوفر حظاً، فإن طريق غلوكسمان نحو الترشح الرسمي لا تزال مفتوحة على منافسة داخلية، بعدما أعلنت الوزيرة السابقة سيغولين رويال خوض السباق، إلى جانب النائبين فيليب بران وجيروم غيدج.
كما لم تحسم شخصيات بارزة موقفها بعد، ومن بينها الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف، إضافة إلى بوريس فالو وأوليفييه فور.
ميلانشون يستفيد من انقسام اليسار
في المقابل، يرى مراقبون أن استمرار الانقسامات داخل اليسار يصب في مصلحة جان لوك ميلانشون، الذي أعلن ترشحه للرئاسة في مايو الماضي وبدأ حملته الانتخابية مبكراً، في وقت لا تزال فيه القوى المنافسة منشغلة بحسم آليات اختيار مرشحيها.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "أودوكسا" في نهاية يونيو الماضي تقدم ميلانشون بحصوله على 16% من نيات التصويت بين أنصار اليسار، مقابل 11% فقط لغلوكسمان، ما يعزز موقعه باعتباره الشخصية الأبرز داخل هذا المعسكر.
ويرى محللون أن تعدد المرشحين وتأخر الأحزاب اليسارية في التوافق على مرشح موحد يمنح ميلانشون أفضلية سياسية، خصوصاً أنه تصدر معسكر اليسار في الانتخابات الرئاسية لعامي 2017 و2022، بينما يبقى الرهان الأكبر أمام الاشتراكيين هو تقديم مرشح قادر على توحيد اليسار المعتدل واستعادة حضور الحزب في السباق إلى قصر الإليزيه، بعد سنوات من التراجع في الانتخابات الرئاسية رغم احتفاظه بحضور مؤثر على المستوى المحلي والبرلماني.
