روبيو يشدد قبضته على الخارجية الأميركية.. حسابات النفوذ تمتد إلى انتخابات 2028
إجراءات لضبط تحركات المسؤولين والحد من القرارات المنفردة وسط مخاوف من تضارب المصالح وصراع مبكر على خلافة ترامب

يتجه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى إحكام سيطرته على مفاصل الوزارة، عبر تشديد الرقابة على تحركات كبار المسؤولين وقراراتهم، وفرض قيود إضافية على سفر الموظفين السياسيين وتدخلاتهم في الملفات الدبلوماسية، في خطوة تتجاوز، وفق تقديرات مراقبين، مسألة الانضباط الإداري إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، تحسباً للاستحقاق الرئاسي لعام 2028.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية على الإدارة الأميركية، عقب تراجع شعبية الجمهوريين وخسائرهم الانتخابية، وتصاعد الاتهامات بتضارب المصالح واستغلال المناصب الرسمية لتحقيق مكاسب شخصية، فيما بدأت شخصيات جمهورية بارزة إعادة تموضعها استعداداً للمرحلة السياسية المقبلة.
ونقلت وكالة «رويترز» عن أربعة مصادر مطلعة أن روبيو أبلغ كبار مسؤولي وزارة الخارجية، خلال اجتماع عقد الأسبوع الماضي، بضرورة الالتزام بحدود اختصاصاتهم، وعدم اتخاذ قرارات أو إطلاق مبادرات سياسية من دون تنسيق مسبق مع قيادة الوزارة. وشدد على أن أي سلوك غير أخلاقي سيواجه بإجراءات صارمة قد تصل إلى الفصل، بغض النظر عن موقع المسؤول أو علاقاته السياسية.
وبحسب المصادر، أعرب روبيو عن استيائه من تحركات عدد من المسؤولين بصورة منفردة، ودفعهم أجندات سياسية من دون تنسيق كافٍ، مؤكداً أن القرارات المهمة يجب أن تمر عبر مكتبه أو مكتب نائبه كريستوفر لاندو. كما قرر إخضاع جميع الرحلات الخارجية التي يقوم بها الموظفون السياسيون لموافقة مسبقة من مكتبه، في محاولة للحد من المبادرات الفردية وتداخل الصلاحيات.
استقالات وإقالات تكشف اضطراباً داخل الوزارة
جاء الاجتماع في أعقاب مغادرة السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي جيلفويل منصبها في تشرين الأول الماضي، وسط تقارير إعلامية تحدثت عن تلقيها أموالاً وهدايا ومزايا مقابل تسهيل الوصول إلى مسؤولين في إدارة ترامب. ونفت جيلفويل تلك الاتهامات، مؤكدة أنها ستدافع عن سمعتها.
وبعد مغادرتها، وجّه روبيو مذكرة إلى موظفي الوزارة شدد فيها على ضرورة تجنب تضارب المصالح، وهي رسالة أعاد التأكيد عليها خلال اجتماعه الأخير، في مؤشر على رغبة قيادة الخارجية في احتواء تداعيات سلسلة من القضايا التي وضعت أداء بعض المسؤولين تحت المجهر.
وتزامن ذلك مع مغادرة جيريمي لوين، المسؤول عن السياسات في الوزارة، بعد فترة قصيرة من الاجتماع. ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر أن استقالته جاءت في ظل خلافات بشأن تدخله في ملفات خارج نطاق اختصاصه وعدم التزامه بتوجيهات الوزير، فضلاً عن استياء قيادات الوزارة من تحركاته المنفردة.
غير أن لوين نفى أن يكون قد أُقيل، وقال إن مغادرته كانت مقررة قبل أسابيع، وإنه استقال للانتقال إلى القطاع الخاص والتفرغ لترتيبات زواجه، مؤكداً أن قراره لم يرتبط بالاجتماع أو بسياسات إدارة الوزارة. وأفادت الخارجية الأميركية بدورها بأن الطرفين اتفقا على أن الوقت حان لمغادرته منصبه.
وكان لوين قد انضم إلى الإدارة من خلال إدارة الكفاءة الحكومية المرتبطة بالملياردير إيلون ماسك، وشارك في جهود تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي كانت تتولى إدارة برامج المساعدات الخارجية الأميركية.
ولا تبدو هذه المغادرات حالات منفصلة عن حالة الاضطراب التي تشهدها مؤسسات إدارة ترامب. ففي تشرين الأول، غادر الممثل الأميركي الخاص للشراكات العالمية باولو زامبولي منصبه، بعد تقارير عن خلافات مع نائب وزير الخارجية بشأن تدخله في ملفات لا تدخل ضمن اختصاصاته.
كما شهدت وزارة العدل مغادرة عدد من كبار مسؤوليها، بينهم مسؤولون في قطاع الحقوق المدنية والأمن الوطني، في تطورات تعكس اتساع التغييرات داخل المؤسسات الحكومية الأميركية، وتزايد مركزية القرار في الدوائر المحيطة بالرئيس.
روبيو يعيد ترتيب أوراقه قبل معركة 2028
لا تنفصل إجراءات روبيو عن الحسابات السياسية التي بدأت تتشكل مبكراً داخل الحزب الجمهوري، مع اقتراب نهاية ولاية ترامب واحتدام التكهنات بشأن المرشحين المحتملين لخلافته في انتخابات 2028.
ويرى مراقبون أن وزير الخارجية يسعى إلى ترسيخ صورة المسؤول القادر على فرض الانضباط وإدارة الملفات الحساسة، وتجنب أي فضائح أو خلافات داخل الوزارة يمكن أن تتحول إلى عبء سياسي عليه إذا قرر خوض السباق الرئاسي.
ورغم أنه لم يحسم موقفه من الترشح، ولم يستبعد ذلك بصورة قاطعة، فإن موقعه الحالي يمنحه حضوراً واسعاً في السياسة الخارجية، وفرصة لبناء شبكة علاقات داخل الحزب الجمهوري والمؤسسات السياسية والأمنية، فضلاً عن تقديم نفسه بوصفه أحد أبرز الوجوه القادرة على الجمع بين الولاء لترامب والخبرة السياسية والإدارية.
في المقابل، أظهرت مواقف نائب الرئيس جي دي فانس والسيناتور تيد كروز من نتائج انتخابات التجديد النصفي أن التنافس على تحديد مستقبل الحزب الجمهوري بدأ فعلياً، حتى قبل انطلاق السباق الرئاسي رسمياً. فقد سعى عدد من القيادات إلى تقديم قراءات للنتائج وتحديد أولويات المرحلة المقبلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الإدارة بسبب تراجع شعبيتها والملفات الاقتصادية والسياسية.
ويعتقد محللون أن تشديد روبيو قبضته على وزارة الخارجية يحمل بعداً سياسياً يتجاوز ضبط الأداء المؤسسي؛ إذ إن أي إخفاق أو فضيحة تتعلق بمسؤولين يعملون تحت إشرافه قد تتحول إلى نقطة ضعف في مساره السياسي، خصوصاً إذا اتجه إلى المنافسة على ترشيح الحزب الجمهوري.
الديمقراطيون يترقبون فرصة الرقابة والتحقيق
في المقابل، تفتح التحولات داخل المؤسسات الأميركية الباب أمام مواجهة سياسية أوسع، خصوصاً مع استعداد الديمقراطيين لاستخدام نفوذهم الرقابي داخل الكونغرس لتدقيق تعاملات مسؤولي إدارة ترامب مع الحكومات والشخصيات الأجنبية.
ويرى مراقبون أن عودة الديمقراطيين إلى موقع أكثر تأثيراً في الكونغرس ستضع عدداً من الملفات المتعلقة بتضارب المصالح والتعيينات والعلاقات الخارجية تحت رقابة مشددة، وقد تدفع الإدارة إلى مزيد من المركزية والاحتياط في تحركات مسؤوليها.
وبينما يقدم روبيو إجراءاته باعتبارها ضرورة لضمان الانضباط وحماية نزاهة العمل الدبلوماسي، فإن توقيتها وطبيعة التغييرات المصاحبة لها يعكسان أيضاً سباقاً مبكراً لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل المعسكر الجمهوري.
وزارة الخارجية، التي يفترض أن تكون أداة لتنفيذ السياسة الخارجية الأميركية، قد تتحول بدورها إلى ساحة اختبار للنفوذ والطموحات الرئاسية، في مرحلة تتداخل فيها إدارة ملفات العالم مع حسابات خلافة ترامب.
