- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- وثائق مسرّبة تكشف دور «سيسكو» في دعم البنية التكنولوجية للاستخبارات الإسرائيلية خلال حرب غزة
وثائق مسرّبة تكشف دور «سيسكو» في دعم البنية التكنولوجية للاستخبارات الإسرائيلية خلال حرب غزة
الشركة الأميركية أصلحت أعطالاً هددت عمليات استخباراتية إسرائيلية، وأرسلت فرقاً فنية إلى وحدات عسكرية سرية

كشفت وثائق داخلية مسرّبة من شركة التكنولوجيا الأميركية «سيسكو» عن عمق علاقاتها التجارية مع المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وعن جهود بذلتها للحفاظ على عقودها مع أجهزة الاستخبارات وتوسيعها خلال الحرب على قطاع غزة. وتظهر الوثائق أن الشركة لم تكتفِ بتوفير معدات الشبكات والبنية التحتية الرقمية، بل تدخلت لمعالجة أعطال تقنية أثرت في عمل أنظمة استخباراتية إسرائيلية، وأرسلت موظفين إلى وحدات عسكرية في ظل إجراءات أمنية مشددة.
وبحسب وثائق اطلعت عليها صحيفة «ذا غارديان»، واجهت شبكات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بعد نحو عام من اندلاع الحرب، انقطاعات متكررة وأعطالاً استمرت ساعات، ما أثار استياء المؤسسة الأمنية وهدد استمرار تعاملها مع «سيسكو». وقدرت وثيقة داخلية أعدتها الشركة في أيلول 2025 أن هذه الأعطال أثرت بصورة كبيرة في العمليات الحيوية، وألحقت ضرراً بثقة العميل في خدماتها.
وتشير الوثائق إلى أن عقود «سيسكو» مع الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بلغت نحو 67 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، وأن الشركة تعاملت مع هذه العلاقة باعتبارها حساباً استراتيجياً يستوجب حشد موارد واسعة للحفاظ عليه، رغم تصاعد الانتقادات الدولية للحرب على غزة والضغوط داخل الشركة بشأن تعاونها مع الجيش الإسرائيلي.
تدخل مباشر لإنقاذ عقود استخباراتية
وتوضح المراسلات أن «سيسكو» أطلقت جهوداً مكثفة لمعالجة المشكلات التقنية، شملت حشد فرق هندسية وإدارية على مدى أشهر، وإرسال موظفين للقاء وحدة عسكرية إسرائيلية سرية تُعرف باسم «سابير»، ارتبط دورها بنقل أجزاء من المنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية إلى العمل تحت الأرض منذ السابع من تشرين الأول 2023.
ووفق الوثائق، تطلبت أعمال الإصلاح والتدريب زيارات ميدانية في ظل إجراءات أمنية مشددة، بهدف إعادة الأنظمة إلى العمل واستعادة ثقة المؤسسة الاستخباراتية. وبعد معالجة الأعطال، وصفت الشركة جهودها بأنها قصة نجاح في إدارة علاقتها مع أحد عملائها، مشيرة إلى تحسن مستوى رضا الجانب الإسرائيلي خلال الفترة الممتدة من عام 2024 وحتى صيف 2025.
وتشير الوثائق إلى أن الجهة التي سمتها الشركة «قوة الاستخبارات الإسرائيلية» تتولى توفير البنية التحتية للشبكات لعدد من إدارات الاستخبارات في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ويرجح أن المقصود بها مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان». كما أفاد موظفون في الشركة بأن الأعطال المفاجئة هددت وصول وحدات استخباراتية إلى بيانات عسكرية.
توسع في الصفقات ومشروع "نيمبوس"
ولا تقتصر الوثائق على تفاصيل معالجة الأعطال، إذ تكشف عن عشرات الصفقات التي عملت عليها «سيسكو» خلال عام 2026 مع مؤسسات حكومية وعسكرية إسرائيلية، بينها أجهزة الاستخبارات وسلاحا الجو والبحرية، وارتبط عدد منها بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كما تظهر أن منصة «سبلنك»، التابعة للشركة والمتخصصة في معالجة كميات ضخمة من البيانات وتحليلها، قدمت عرضاً للانضمام إلى مشروع «نيمبوس»، وهو عقد الحوسبة السحابية المثير للجدل الذي أبرمته الحكومة الإسرائيلية مع شركتي «غوغل» و«أمازون». ولا توضح الوثائق ما إذا كانت مساعي «سبلنك» قد تحولت إلى عقد فعلي.
ويرى مراقبون أن أهمية هذه المعطيات تتجاوز طبيعة المنتجات التي توفرها الشركة، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه البنية التحتية الرقمية في تشغيل الأنظمة العسكرية والاستخباراتية الحديثة. فمعدات الشبكات والخوادم وأنظمة نقل البيانات تشكل أساساً تقنياً تعتمد عليه المؤسسات الأمنية في معالجة المعلومات وتبادلها وتشغيل منظوماتها، حتى إن لم تكن الشركة منتجة للأسلحة بصورة مباشرة.
وتشير تقارير سابقة إلى أن «سيسكو» قدمت دعماً تكنولوجياً لإسرائيل في مجالات مرتبطة بمراقبة الفلسطينيين، فيما أظهرت مواد داخلية أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تنظر إلى الاستثمار في التكنولوجيا باعتباره عنصراً أساسياً في قدراتها، لا يقل أهمية عن بعض المعدات العسكرية التقليدية.
اعتراضات داخل الشركة وضغوط حقوقية
وتأتي التسريبات في وقت تواجه فيه «سيسكو» اعتراضات من موظفين حاليين وسابقين على علاقاتها التجارية مع الجيش الإسرائيلي. فقد سرب موظفون غاضبون من هذه الصلات وثائق داخلية إلى «ذا غارديان»، فيما وصفت مجموعة «جسر إلى الإنسانية»، التي تضم موظفين من الشركة، التعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية بأنه يتناقض مع القيم التي تعلن الشركة التزامها بها.
واتهمت المجموعة إدارة «سيسكو» بتجاهل مخاوف العاملين بشأن استخدام منتجاتها في دعم العمليات العسكرية، بينما واصلت العمل على حماية عقودها وتوسيعها. واعتبرت أن بيع معدات الشبكات والبرمجيات لا يعفي الشركة من مسؤولية الدور الذي تؤديه هذه المنتجات في تمكين الأنشطة العسكرية.
كما تواجه الشركة انتقادات بشأن تعاملها مع موظفين فلسطينيين وعرب ومسلمين عقب اندلاع الحرب. وكانت لجنة تكافؤ فرص العمل الأميركية قد خلصت، في وقت سابق من العام الحالي، إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الشركة سمحت ببيئة عمل عدائية تضمنت خطابات عنصرية وانتهاكات لحقوق موظفين. إلا أن «سيسكو» رفضت استنتاجات اللجنة، مؤكدة التزامها بتوفير بيئة عمل قائمة على تكافؤ الفرص.
ويرى مراقبون أن الجدل حول «سيسكو» يعكس اتساع التدقيق في دور شركات التكنولوجيا في النزاعات المسلحة، مع انتقال النقاش من الشركات التي توفر خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية إلى الشركات التي تقدم البنية المادية والتقنية اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة. ويذهب منتقدون إلى أن هذه البنية لا تقل أهمية عن التطبيقات والبرمجيات التي تعمل فوقها، وأن غيابها قد يحد من قدرة المؤسسات العسكرية على تشغيل منظوماتها الرقمية.
وفي هذا الإطار، دعا مستثمرون إلى إجراء تقييم مستقل لحقوق الإنسان بشأن أعمال الشركة مع الجيش الإسرائيلي، ومن المقرر طرح مقترح بهذا الشأن على تصويت المساهمين خلال الاجتماع العام للشركة هذا الشهر.
وتواجه «سيسكو» بذلك ضغوطاً متزايدة من داخلها ومن مستثمرين ومنظمات حقوقية، في وقت تتسع فيه المطالبات بمساءلة شركات التكنولوجيا عن طبيعة استخدام منتجاتها في العمليات العسكرية. ولم ترد الشركة على طلب «ذا غارديان» التعليق على الوثائق المسرّبة، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه يستخدم خدمات تقدمها شركات متعددة لتلبية احتياجاته، ورفض التعليق على العقود أو الخدمات التي تقدمها جهات خارجية.
