- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- توسعة حقل الشمال تضع قطر في صدارة سوق الغاز.. والتوترات الإقليمية تفرض تحديات جديدة
توسعة حقل الشمال تضع قطر في صدارة سوق الغاز.. والتوترات الإقليمية تفرض تحديات جديدة
استثمارات بعشرات المليارات لرفع إنتاج الغاز المسال إلى 142 مليون طن سنوياً

تمضي قطر في تنفيذ واحدة من أكبر خطط التوسع في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال، عبر مشروع تطوير حقل الشمال، في خطوة تهدف إلى تعزيز مكانتها كأحد أبرز موردي الطاقة في العالم.
وتستهدف الدوحة رفع طاقتها الإنتاجية من الغاز الطبيعي المسال من نحو 77 مليون طن سنوياً حالياً إلى 126 مليون طن بحلول عام 2027، مع خطط للوصول إلى 142 مليون طن سنوياً قبل نهاية العقد، وهو ما سيعزز حضورها في الأسواق الآسيوية والأوروبية التي تشهد طلباً متزايداً على الغاز المسال.
غير أن هذا التوسع يتزامن مع بيئة إقليمية معقدة، تتسم بتصاعد التوترات الأمنية في الخليج، ما يضع الاستثمارات القطرية أمام اختبار جيوسياسي متواصل.
الاستثمار وحده لا يكفي
تُقدّر قيمة توسعة حقل الشمال بعشرات المليارات من الدولارات، وتأتي في وقت يشهد فيه سوق الطاقة العالمي تحولات متسارعة، سواء نتيجة تداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية أو سعي أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة، إلى جانب استمرار التحول التدريجي نحو مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.
لكن التطورات الأمنية الأخيرة في الخليج، بما في ذلك التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أعادت ملف أمن الطاقة إلى الواجهة، بعد تسجيل حوادث طالت منشآت للطاقة وناقلات في مضيق هرمز، إضافة إلى تعطل مؤقت في الإنتاج في مدينة رأس لفان نتيجة حادث تقني.
وتشير هذه التطورات إلى أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً بالإنتاج فقط، بل بات يشمل أيضاً حماية سلاسل الإمداد وضمان أمن الممرات البحرية.
ثلاثة عوامل تحدد المنافسة
ويرى خبراء أن المنافسة في سوق الغاز العالمي لم تعد تعتمد على حجم الاحتياطيات وحده، وإنما على ثلاثة عناصر رئيسية: القدرة الإنتاجية، والطاقة التسييلية، وأمن النقل والإمداد.
ويشيرون إلى أن قطر تمتلك أفضلية واضحة في العنصرين الأول والثاني، بفضل احتياطياتها التي تتجاوز 24 تريليون متر مكعب، إلى جانب امتلاكها واحدة من أكبر منظومات تسييل الغاز في العالم.
لكن التحدي الأبرز، بحسب الخبراء، يتمثل في اعتماد الصادرات القطرية بشكل شبه كامل على مضيق هرمز، الذي يشكل المنفذ الرئيسي لشحنات الغاز إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي اضطراب أمني في المنطقة عاملاً مؤثراً في قدرة الدوحة على الوفاء بالتزاماتها التصديرية.
مرونة أكبر.. ولكن ضمن حدود
يرى مراقبون أن توسعة حقل الشمال ستمنح قطر قدرة أكبر على التعامل مع أي توقف جزئي في منشآت الإنتاج، من خلال زيادة خطوط التسييل والمعالجة، وهو ما يعزز مرونة القطاع في مواجهة الأعطال الفنية أو التهديدات الأمنية.
كما ستتيح التوسعة الحفاظ على العقود طويلة الأجل مع كبار المستوردين في آسيا، وفي مقدمتهم الصين والهند وكوريا الجنوبية، إضافة إلى الأسواق الأوروبية التي زادت اعتمادها على الغاز المسال منذ تراجع الإمدادات الروسية.
وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن الطلب العالمي على الغاز قد يرتفع بنسبة تتراوح بين 10 و15% بحلول عام 2040، ما يمنح قطر فرصة لتعزيز حصتها السوقية خلال السنوات المقبلة.
مضيق هرمز.. نقطة الضعف الرئيسية
ورغم المكاسب الاقتصادية المتوقعة، يبقى مضيق هرمز التحدي الأكبر أمام الطموحات القطرية.
ويمر عبر المضيق نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية.
وأظهرت الأحداث الأخيرة، بما في ذلك استهداف ناقلات وتهديدات الملاحة، مدى هشاشة هذا الشريان الحيوي، في ظل غياب مسارات بحرية بديلة قادرة على استيعاب صادرات الغاز القطرية في حال حدوث تصعيد عسكري واسع.
ويحذر الخبراء من أن قطر أصبحت جزءاً من معادلة أمنية أكثر تعقيداً، وأن قطاع الغاز قد يتحول إلى ورقة ضغط خلال الأزمات الإقليمية، رغم السياسة القطرية القائمة على الحياد النسبي والوساطة.\
الدبلوماسية كجزء من استراتيجية الطاقة
في المقابل، يرى مراقبون أن السياسة الخارجية القطرية أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية حماية قطاع الطاقة.
ويقولون إن الدوحة تنظر إلى دورها الإقليمي باعتباره وسيلة لتعزيز الاستقرار، انطلاقاً من إدراكها للعلاقة الوثيقة بين أمن الطاقة والاستقرار الجيوسياسي. ويشيرون إلى أن أمن الملاحة في مضيق هرمز يمثل أولوية استراتيجية لقطر، الأمر الذي يدفعها إلى مواصلة جهود الوساطة وتخفيف حدة التوترات، بما يضمن استمرار تدفق صادراتها ويحافظ على ثقة المستثمرين الدوليين.
فرصة استراتيجية.. واختبار جيوسياسي
ويرى مراقبون أن توسعة حقل الشمال تمنح قطر فرصة لترسيخ مكانتها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال خلال العقد المقبل، مستفيدة من زيادة الإنتاج ونمو الطلب العالمي وتطوير البنية التحتية.
لكن في المقابل، فإن نجاح هذه الاستراتيجية سيبقى مرتبطاً إلى حد كبير باستقرار البيئة الأمنية في الخليج، ولا سيما أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يظل الحلقة الأكثر حساسية في منظومة تصدير الغاز القطري إلى الأسواق العالمية.
