- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- أربع بؤر استيطانية جديدة تعيد رسم خريطة السيطرة في الخليل
أربع بؤر استيطانية جديدة تعيد رسم خريطة السيطرة في الخليل
من مسافر يطا إلى غرب المدينة.. توسع استيطاني يتزامن مع هدم منشآت فلسطينية وتشديد القيود على الحركة

يتسع نطاق التحركات الاستيطانية في محافظة الخليل جنوبي الضفة الغربية، مع إقامة أربع بؤر استيطانية جديدة في مناطق تمتد من جنوبها الشرقي إلى جنوبها الغربي، بين يطا ودورا والظاهرية وغرب الخليل، في خطوة تتزامن مع تشديد الإجراءات العسكرية الإسرائيلية التي استمرت عشرة أيام في أحياء غرب المدينة. وتثير هذه التحركات مخاوف من تحول البؤر الرعوية والزراعية إلى أدوات لفرض وقائع جغرافية جديدة، وتعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وتقييد التواصل بين التجمعات السكانية ومناطقها الزراعية.
تحركات استيطانية على امتداد جغرافي واسع
تأتي إقامة البؤر الجديدة في أعقاب إعلان المجلس الإقليمي لمستوطنات جبل الخليل، في 24 أكتوبر الماضي، عن خطة لإقامة ثماني نقاط استيطانية، رداً على عملية إطلاق النار التي نفذها الفلسطينيان أحمد وحمود الجعبة عند مدخل فرش الهوى شمال غرب الخليل، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل مقتل المنفذين.
لكن التحركات الميدانية بدأت قبل الإعلان الرسمي، إذ شرع المستوطنون في إقامة بؤرة جديدة على أراضي بلدة الظاهرية، في منطقة جويّ الواقعة بين البلدة وقرية بيت الروش الفوقا التابعة لدورا، بعد ساعات من وقوع العملية.
وبحسب تقديرات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية في الخليل، استولى المستوطنون على نحو 400 دونم في المنطقة، تحت ذريعة تصنيفها أراضي دولة، وهو تصنيف تستخدمه السلطات الإسرائيلية لتبرير السيطرة على أراضٍ لا تتوافر بشأنها قيود تسجيل ملكية في المؤسسات الرسمية الإسرائيلية.
وتشير هذه التحركات، وفق مراقبين، إلى أن الإعلان عن إقامة البؤر لم يكن مجرد استجابة سياسية للعملية، بل جاء ضمن مسار استيطاني يستهدف توسيع السيطرة على مناطق استراتيجية في جنوب وغرب الخليل.
بني كيدم.. من بؤرة إلى مستوطنة مستقلة
وفي شمال شرق المحافظة، دخل قرار شرعنة مستوطنة بني كيدم، الواقعة بين سعير والشيوخ، حيز التنفيذ، بعد أن كانت بؤرة استيطانية تابعة لمستوطنة ميتساد، المعروفة أيضاً باسم أسفار.
وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية قد قرر في ديسمبر 2025 تحويل البؤرة إلى مستوطنة مستقلة، ضمن سلسلة قرارات شملت مواقع استيطانية أخرى.
ويرى محللون أن شرعنة البؤر تمثل مرحلة متقدمة من تثبيت الوقائع الاستيطانية، إذ تتيح للحكومة الإسرائيلية تخصيص موازنات رسمية، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع نطاق الخدمات، بما يحول المواقع التي أُنشئت بصورة غير رسمية إلى تجمعات استيطانية معترف بها من جانب إسرائيل.
ولا يقتصر تأثير هذه الخطوة على الموقع ذاته، إذ تسعى السلطات الإسرائيلية، بحسب تقديرات فلسطينية، إلى تعزيز ارتباط بني كيدم بمستوطنة نيجهوت المقامة على أراضي دورا، بما يدعم التواصل الجغرافي بين التجمعات الاستيطانية في المنطقة.
ويشير مراقبون إلى أن هذا النمط من التوسع يتيح إقامة شبكة استيطانية متصلة تدريجياً، حتى في المناطق التي لا تضم مستوطنات كبيرة أو متواصلة جغرافياً، من خلال البؤر الرعوية والزراعية.
غرب الخليل.. هدم منشآت بذريعة أمنية
بالتوازي مع إقامة البؤر الاستيطانية، شهدت المنطقة المحيطة بمدخل فرش الهوى إجراءات إسرائيلية استهدفت منشآت فلسطينية تجارية وصناعية.
وبتوجيهات من وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، صدرت تعليمات بهدم منشآت في المنطقة بذريعة أمنية، ونفذت القوات الإسرائيلية عمليات هدم طاولت نحو 15 منشأة، متفاوتة الحجم.
ويرى مراقبون أن توظيف الاعتبارات الأمنية في استهداف المنشآت الاقتصادية يفتح الباب أمام توسيع نطاق الإجراءات الإسرائيلية لتشمل مناطق تتجاوز موقع العملية، بما يؤدي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي الفلسطيني وتقييد فرص الوصول إلى الأراضي ومصادر الرزق.
وفي غرب الخليل، حاول مستوطنون إقامة بؤرة جديدة بين بيت كاحل وفرش الهوى، عبر رفع الأعلام الإسرائيلية على أراضٍ فلسطينية خاصة وتخريب أكواخ ومنشآت في مناطق زراعية ومصايف. غير أن محاولاتهم لم تتحول حتى الآن إلى بؤرة ثابتة، بسبب تصنيف الأراضي باعتبارها ملكية خاصة.
مسافر يطا.. بؤر رعوية قرب المنازل والأراضي الزراعية
أما في المناطق الجنوبية من المحافظة، فقد شهدت مسافر يطا إقامة ثلاث بؤر استيطانية جديدة خلال الأيام التي أعقبت عملية فرش الهوى، وسط تحركات متواصلة لتوسيعها واستقدام مستوطنين للإقامة فيها.
وتوزعت البؤر على مناطق أم الدرج، وبيت عمرة غرب يطا، وخلة الفرا الواقعة بين يطا والسموع، حيث أقام المستوطنون خياماً وغرفاً خشبية وهياكل لمركبات متنقلة، إلى جانب إدخال قطعان من الأغنام والأبقار.
وتقع هذه المواقع بالقرب من منازل الفلسطينيين وأراضيهم الزراعية، فيما أقيمت البؤرة الثالثة على أراضٍ تضم محاصيل زراعية تعود لمزارعين من يطا.
ويرى محللون أن إقامة البؤر الرعوية في هذه المناطق لا تقتصر على تثبيت وجود استيطاني محدود، بل يمكن أن تتحول إلى وسيلة للسيطرة التدريجية على الأراضي المحيطة، من خلال فرض قيود فعلية على وصول أصحابها إلى حقولهم ومراعيهم.
وتتفاقم هذه المخاوف في ظل تعذر وصول المزارعين إلى الأراضي التي أقيمت عليها البؤر، ومنعهم من الاقتراب منها، الأمر الذي يجعل تقدير المساحات المستولى عليها بصورة دقيقة أمراً صعباً.
وتشير تقديرات محلية إلى أن مستوطناً مسلحاً يدعى شيم توف يقود جانباً من هذه التحركات في يطا، من خلال إدخال قطعان الأغنام والأبقار والإشراف على إقامة بؤر جديدة في مناطق متفرقة.
القيود العسكرية تعزز تداعيات التوسع الاستيطاني
وفي موازاة التحركات الاستيطانية، تواصل القوات الإسرائيلية إغلاق البوابات المؤدية إلى مسافر يطا، ومصادرة المركبات الفلسطينية، إذ صادرت 12 مركبة تعود لسكان المنطقة، ومنعتهم من الوصول إلى الشارع الالتفافي.
ويرى مراقبون أن تزامن إقامة البؤر مع إغلاق الطرق ومصادرة المركبات وهدم المنشآت يشير إلى اتساع نطاق الإجراءات الإسرائيلية من موقع العملية في فرش الهوى إلى مناطق واسعة من المحافظة.
وتبرز الخليل، في هذا السياق، نموذجاً لتداخل المسارات العسكرية والاستيطانية، حيث تترافق القيود المفروضة على الحركة مع توسيع الوجود الاستيطاني في مناطق قريبة من التجمعات الفلسطينية والأراضي الزراعية.
وبحسب تقديرات محللين، فإن استمرار هذه التحركات قد يؤدي إلى تعميق تجزئة الجغرافيا الفلسطينية في جنوب الضفة الغربية، وتقييد قدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم، فيما تتحول البؤر الجديدة، بمرور الوقت، إلى نقاط ارتكاز لتوسيع السيطرة الاستيطانية وتعزيز ارتباط المستوطنات القائمة.
