- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- العلاقات الإيرانية الصينية تحت الاختبار: شريك استراتيجي أم علاقة تحكمها المصالح؟
العلاقات الإيرانية الصينية تحت الاختبار: شريك استراتيجي أم علاقة تحكمها المصالح؟
الحرب تكشف حدود التقارب بين طهران وبكين.. وإيران تتساءل عن جدوى «التوجه شرقاً»

أعادت الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، اختبار طبيعة العلاقات بين طهران وبكين، في وقت تتزايد فيه داخل إيران الانتقادات لما يعتبره البعض تراجعاً في مستوى الدعم الصيني، مقارنة بالتوقعات الإيرانية من دولة تصفها طهران منذ سنوات بأنها شريك استراتيجي.
ورغم المواقف الصينية الرسمية الرافضة للعملية العسكرية والداعية إلى خفض التصعيد، فإن مستوى الدعم العملي الذي تقدمه بكين لطهران أصبح موضع نقاش واسع داخل إيران، خصوصاً مع استمرار الصين في الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وعدم انخراطها عسكرياً في المواجهة.
لقاء بزشكيان وشي يعيد إشعال الجدل
وجاء اللقاء القصير بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الصيني شي جين بينغ، على هامش قمة شنغهاي، ليضيف وقوداً إلى الجدل. فقد ظهرت صور ومشاهد للقاء الذي اقتصر على محادثة قصيرة وقوفاً، وهو ما فسّره منتقدون في إيران باعتباره مؤشراً على فتور نسبي في العلاقات.
وتزامن ذلك مع تصريحات أثارت ضجة بشأن شروط صينية قيل إنها حالت دون زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى الصين. ووفق الرواية التي جرى تداولها، تضمنت الشروط إعادة فتح مضيق هرمز، وعدم فرض رسوم، وخفض التوتر مع السعودية، وتسوية الخلاف مع الولايات المتحدة.
لكن الجانب الإيراني نفى هذه المعلومات سريعاً، ما خفف من دلالتها السياسية، وإن لم ينهِ الجدل بشأن طبيعة العلاقة بين البلدين.
بكين تتحرك وفق حساباتها الخاصة
يرى مراقبون أن جزءاً كبيراً من الجدل الإيراني ينطلق من فجوة بين ما تتوقعه طهران من الصين، وما هي مستعدة فعلياً لتقديمه.
فالصين حافظت خلال الحرب على اتصالات دبلوماسية مكثفة مع أطراف الصراع، ودعت إلى وقف التصعيد، كما تحركت عبر قنواتها الإقليمية والدولية. وفي الوقت نفسه، لم تنتقل بكين إلى مستوى التدخل المباشر لصالح إيران، وهو أمر يتماشى مع تقليد راسخ في السياسة الخارجية الصينية يقوم على تجنب التورط العسكري في نزاعات لا تمس بصورة مباشرة أمنها القومي.
كما أن بكين لا تنظر إلى العلاقة مع طهران باعتبارها تحالفاً عسكرياً مغلقاً. فالصين ترتبط في الوقت ذاته بمصالح اقتصادية ضخمة مع الولايات المتحدة، وعلاقات متنامية مع دول الخليج، وتتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره مساحة استراتيجية واسعة تتطلب الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متنافسة.
مضيق هرمز نقطة اختبار أساسية
يبرز مضيق هرمز كأحد أهم الملفات التي تكشف اختلاف الحسابات بين البلدين. إيران تنظر إلى المضيق باعتباره ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة خصومها، بينما تعتبر الصين أمن تدفق الطاقة من الخليج مصلحة حيوية لها. ولذلك فإن أي تهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل حركة الملاحة يمكن أن يضع المصالح الصينية والإيرانية في مسارين متعارضين.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن موقف بكين من أزمة المضيق سيكون أكثر أهمية من الصور البروتوكولية أو مستوى اللقاءات بين المسؤولين. فإذا واصلت الصين شراء النفط الإيراني ومساعدته على تجاوز العقوبات الأميركية، فسيكون من الصعب الحديث عن قطيعة بين البلدين. أما إذا بدأت بكين بالتراجع عن هذا الدور والانضمام عملياً إلى الضغوط الاقتصادية على طهران، فسيكون ذلك مؤشراً أكثر جدية على تغير العلاقة.
شراكة استراتيجية.. أم تعاون براغماتي؟
الجدل داخل إيران لا يتعلق فقط بموقف الصين من الحرب، بل بمفهوم «الشراكة الاستراتيجية» نفسه. بعض المراقبين الإيرانيين يعتبرون أن طهران بالغت خلال السنوات الماضية في تقدير استعداد الصين لتحويل العلاقات الاقتصادية والسياسية إلى تحالف أمني وعسكري. ووفق هذا التصور، فإن سياسة «التوجه شرقاً» لا تعني تلقائياً أن بكين مستعدة للدفاع عن إيران أو الدخول في مواجهة مع واشنطن من أجلها.
الصين، بحسب هذا الاتجاه، تتعامل مع إيران باعتبارها دولة مهمة جيوسياسياً ومصدراً رئيسياً للطاقة وشريكاً تجارياً، لكنها في الوقت ذاته تضع مصالحها الاقتصادية والأمنية الوطنية في مقدمة أولوياتها.
ثلاث مقاربات داخل إيران
ويكشف الجدل الحالي عن ثلاث مقاربات رئيسية داخل إيران تجاه العلاقة مع الصين.
الأولى، براغماتية، ترى ضرورة الاستفادة من الوزن الاقتصادي والسياسي لبكين لتخفيف آثار العقوبات الأميركية، مع إبقاء قنوات التواصل مع الغرب مفتوحة وعدم تحويل إيران إلى طرف تابع لمحور واحد.
الثانية، محافظة وراديكالية، تدفع باتجاه تعميق التحالف مع الصين وروسيا في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وترى أن الحرب أظهرت الحاجة إلى بناء محور شرقي أكثر صلابة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
أما الثالثة، فتشكك أساساً في جدوى الرهان على الصين، وتعتقد أن بكين تستفيد من حاجة إيران إليها، خصوصاً في مجال شراء النفط، من دون أن تقدم في المقابل ضمانات سياسية أو أمنية تتناسب مع حجم الرهان الإيراني عليها.
انتقادات داخل المعسكر المحافظ
ولا يقتصر الجدل على الإصلاحيين. فقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة انتقادات داخل الأوساط المحافظة نفسها، خصوصاً تجاه إدارة ملف العلاقات مع الصين.
ويربط بعض منتقدي الحكومة هذا التراجع أيضاً بالمسار التفاوضي مع واشنطن، معتبرين أن التركيز الإيراني على الغرب أضعف الرسائل الموجهة إلى بكين، وأعطى القيادة الصينية سبباً إضافياً للتريث في توسيع التزاماتها تجاه طهران.
في المقابل، يرى محافظون أن الصين لم تتخل عن إيران، وأن الانتقادات التي تستند إلى صور اللقاءات أو المظاهر البروتوكولية تتجاهل المصالح الاستراتيجية الأوسع، وفي مقدمتها استمرار العلاقات التجارية وشراء النفط والتعاون ضمن مؤسسات دولية مثل منظمة شنغهاي وبريكس.
واشنطن تحاول استغلال التباين
وتأتي هذه الخلافات في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة منع الصين من التحول إلى قناة اقتصادية مفتوحة أمام إيران.
وتملك واشنطن ورقة قوية في هذا السياق، إذ ترتبط الصين بالاقتصاد الأميركي بعلاقات تجارية ضخمة، ما يجعل بكين حريصة على عدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة بسبب الملف الإيراني.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاول بدوره تقديم العلاقة مع الرئيس الصيني على أنها عامل يمكن البناء عليه في التعامل مع إيران، مشيراً إلى أن بكين لا تقدم لطهران، بحسب وصفه، دعماً كبيراً.
لكن قدرة واشنطن على الضغط على الصين تبقى محدودة، إذ إن بكين لديها مصالح مباشرة في استمرار تدفق النفط الإيراني، وفي منع انهيار استقرار سوق الطاقة، فضلاً عن رفضها المبدئي لاستخدام العقوبات الأميركية كأداة لإملاء سياساتها الخارجية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الحرب
لا تبدو العلاقة الإيرانية الصينية أمام قطيعة وشيكة، لكنها تواجه اختباراً يكشف حدودها بوضوح أكبر. طهران تريد من بكين أكثر من البيانات السياسية والاتصالات الدبلوماسية، بينما تريد الصين من إيران ضمانات بشأن أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي وعدم تعريض مصالحها الاقتصادية للخطر.
ولهذا، فإن السؤال المطروح داخل إيران لم يعد فقط ما إذا كانت الصين «مع إيران أو ضدها»، بل إلى أي حد يمكن لطهران الاعتماد على بكين عندما تتحول الأزمة السياسية إلى مواجهة تهدد المصالح الصينية نفسها.
وبينما تراهن إيران على الصين باعتبارها ثقلاً موازناً للولايات المتحدة، تبدو بكين أكثر تمسكاً بسياسة مختلفة: الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف، حماية مصالحها الاقتصادية، وتجنب تحويل الشراكة مع طهران إلى التزام عسكري قد يجرها إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن أو إسرائيل.
وهكذا، قد تكون الحرب الحالية قد كشفت ليس عن انهيار العلاقات الإيرانية الصينية، بل عن حدود ما يمكن أن تقدمه هذه العلاقات عندما تتعارض المصالح الوطنية للطرفين.
