- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- "المقايضة الكبرى" تشعل مصر.. هل تتحول قناة السويس إلى ورقة في أزمة الديون؟
"المقايضة الكبرى" تشعل مصر.. هل تتحول قناة السويس إلى ورقة في أزمة الديون؟
بين الديون والسيادة.. "المقايضة الكبرى" تضع قناة السويس في قلب معركة اقتصادية وسياسية في مصر

لم يكن اسم قناة السويس حاضرًا في النقاش الاقتصادي المصري بوصفه ممرًا ملاحيًا عالميًا فحسب، بل تحول خلال الأيام الأخيرة إلى محور جدل سياسي وشعبي واسع، بعد طرح اقتصادي اقترح إدخال أصول مملوكة للدولة، من بينها القناة، في عملية لمقايضة جزء من الديون المحلية.
المقترح، الذي طرحه الخبير الاقتصادي حسن هيكل، عضو اللجنة الاستشارية للاقتصاد الكلي التابعة لرئيس الوزراء المصري، سرعان ما تجاوز حدود النقاش حول إدارة الدين العام، بعدما فسّر البعض الإشارة إلى قناة السويس باعتبارها تمهيدًا لاحتمال نقل ملكيتها أو التعامل معها كأصل يمكن استخدامه في تسوية مالية.
هيكل نفى أن يكون قد دعا إلى بيع القناة أو خصخصتها، مؤكدًا أن فكرته تتعلق، في حال تطبيقها، بنقل أصول بين مؤسسات مملوكة للدولة المصرية. لكن هذا التوضيح لم يوقف الجدل، الذي انتقل سريعًا من الأوساط الاقتصادية إلى منصات التواصل والإعلام، قبل أن تضطر الحكومة إلى إصدار توضيح رسمي.
من "المقايضة الكبرى" إلى قناة السويس
فكرة هيكل ليست جديدة بالكامل. فقد طرح الخبير الاقتصادي في كانون الثاني/يناير الماضي تصورًا أطلق عليه اسم "المقايضة الكبرىط، يستهدف إعادة هيكلة جانب من الدين العام المحلي من خلال إعادة ترتيب ملكية بعض أصول الدولة والتزاماتها بين المؤسسات الحكومية.
وتقوم الفكرة، وفق التصور المطروح، على تقييم أصول تملكها الدولة ثم نقلها إلى البنك المركزي المصري، مقابل نقل جزء من مديونية وزارة المالية إلى البنك، بما يعيد توزيع الأصول والالتزامات داخل القطاع الحكومي.
وكانت هيئة قناة السويس أحد الأمثلة التي استخدمها هيكل لتوضيح حجم الأصول التي يمكن أن تدخل نظريًا في مثل هذه العملية، مشيرًا آنذاك إلى قيمة افتراضية تصل إلى نحو 200 مليار دولار، وإلى إمكانية إجراء مقايضة تشمل ما لا يقل عن خمسة تريليونات جنيه من الدين المحلي.
لكن المقترح بقي في حينه ضمن إطار النقاش الاقتصادي، قبل أن يعود إلى الواجهة بصورة أكثر حدة بعد تطورات جديدة في ملف إدارة أصول الدولة.
تسوية "ماسبيرو" تشعل النقاش مجددًا
الشرارة الجديدة جاءت مع تسوية مديونيات الهيئة الوطنية للإعلام، المعروفة باسم "ماسبيرو"، التي تضمنت نقل عدد من الأصول غير المستغلة التابعة للهيئة إلى بنك الاستثمار القومي، في إطار تسوية لديون تجاوزت 88 مليار جنيه.
هيكل رأى في هذه العملية نموذجًا يمكن البناء عليه، ووصفها بأنها "المقايضة الصغرى"، قبل أن يعيد طرح فكرة توسيعها لتشمل نطاقًا أكبر من أصول الدولة والتزاماتها.
وفي هذا السياق، أشار إلى إمكانية نقل ملكية عدد من الأصول إلى البنك المركزي، بما في ذلك حصص في بنوك وشركات وقطاعات اقتصادية مختلفة، وصولًا إلى ذكر قناة السويس.
وهنا تحديدًا تبدل مسار النقاش.
ففي حين يمكن النظر إلى نقل أصول بين جهات حكومية من منظور محاسبي ومالي، فإن إدراج قناة السويس في القائمة يحمل وزنًا سياسيًا واستراتيجيًا مختلفًا تمامًا في مصر.
لماذا أثارت القناة كل هذا الغضب؟
بالنسبة إلى المصريين، لا تمثل قناة السويس مجرد أصل اقتصادي أو مصدر لإيرادات الدولة، القناة مرتبطة بصورة مباشرة بتاريخ مصر الحديث، من تأميمها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر إلى أزمة السويس عام 1956، كما تمثل أحد أبرز عناصر القوة الاقتصادية والاستراتيجية المصرية وممرًا دوليًا حيويًا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر.
ولهذا السبب، اعتبر منتقدو طرح هيكل أن مجرد وضع القناة ضمن قائمة أصول يمكن تقييمها ومبادلتها بديون يثير إشكالية تتجاوز الحسابات المالية.
المخاوف لا تتعلق فقط بسيناريو «بيع» القناة، الذي نفاه هيكل، وإنما بالسؤال الأوسع: هل يجوز أصلًا التعامل مع مرفق ذي طبيعة استراتيجية وسيادية باعتباره أصلًا ماليًا يمكن نقله من مؤسسة حكومية إلى أخرى؟
هذا السؤال كان كافيًا لإشعال نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تحذيرات من أن الأزمة الاقتصادية قد تدفع الدولة إلى البحث عن مصادر تمويل حتى في أصول شديدة الحساسية.
علاء مبارك يدخل على خط الأزمة
كان من أبرز المنتقدين للطرح علاء مبارك، نجل الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، الذي هاجم الفكرة علنًا، معتبرًا أن قناة السويس لا يمكن التعامل معها كأصل اقتصادي عادي يمكن استخدامه في تسوية ديون.
وقال إن القناة تمثل ممرًا عالميًا وشريانًا حيويًا ورمزًا للسيادة المصرية، محذرًا من أن إدخالها في أي عملية رهن أو مقايضة للديون المحلية يمثل، من وجهة نظره، مخاطرة تمس الأمن القومي.
وبذلك، لم يعد النقاش يدور حول جدوى «المقايضة الكبرى» من الناحية الاقتصادية فقط، بل تحول إلى سجال حول حدود سلطة الدولة في إدارة أصولها، وما إذا كانت هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها حتى في ظل الضغوط المالية.
الحكومة المصرية تتدخل
مع اتساع الجدل، تدخلت الحكومة المصرية لتوضيح موقفها، مؤكدة أن ما طرحه هيكل يمثل رؤية شخصية ولا يعكس سياسة حكومية معتمدة.
وشددت الحكومة على أن الأفكار المتعلقة بمقايضة الأصول العامة بالمديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة من جانب الجهات المختصة، لكنها لم تعتمد باعتبارها آلية لإدارة الدين العام.
وتستند الحكومة في رفض هذا التصور إلى اعتبار اقتصادي أساسي: نقل أصل من جهة حكومية إلى جهة حكومية أخرى، مقابل نقل الدين، لا يعني بالضرورة خفض حجم الالتزامات الفعلية للدولة ككل، بل يعيد توزيعها داخل القطاع العام.
وبالتالي، فإن معالجة الدين المصري تحتاج إلى إجراءات أوسع تتعلق بإدارة المالية العامة، والسيولة، وكلفة خدمة الدين، وزيادة الإيرادات، وتحسين كفاءة الإنفاق واستغلال الأصول الحكومية.
القاهرة: قناة السويس ليست للبيع
الأهم في البيان الحكومي كان التأكيد الصريح على أن قناة السويس ليست مطروحة للبيع أو الرهن أو المقايضة مقابل الديون.
وأكدت الحكومة أن القناة مرفق عام استراتيجي يرتبط بالسيادة والأمن القومي المصري، وأن التعامل معها يختلف عن التعامل مع الشركات أو الأراضي أو الأصول التي يمكن طرح حصص منها أمام المستثمرين.
كما أوضحت أن تسوية مديونيات الهيئة الوطنية للإعلام لا تشكل نموذجًا عامًا يمكن تعميمه على جميع أصول الدولة.
وهذا التوضيح الحكومي جاء في وقت حساس بالنسبة إلى الاقتصاد المصري، الذي يعتمد بصورة متزايدة على إعادة هيكلة أصول الدولة وجذب الاستثمارات لتوفير السيولة وتعزيز موارد النقد الأجنبي.
هل يمكن قانونيًا بيع قناة السويس؟
بعيدًا عن الجدل السياسي، يطرح الملف سؤالًا أكثر تحديدًا: هل تستطيع الحكومة المصرية، من الناحية القانونية والدستورية، بيع قناة السويس أو نقل ملكيتها إلى شركة خاصة أو دولة أجنبية؟
الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد قرار حكومي. الدستور المصري ينص في المادة 43 على التزام الدولة بحماية قناة السويس والحفاظ عليها بوصفها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها.
كما أن القواعد المتعلقة بالأموال العامة تضع قيودًا صارمة على التصرف في الأموال المخصصة للمنفعة العامة، بينما ينظم قانون هيئة قناة السويس رقم 30 لسنة 1975 إدارة المرفق واستغلاله وتطويره من خلال هيئة عامة مستقلة.
وتضاف إلى ذلك القيود الدستورية المتعلقة بأراضي الدولة وسيادتها، بما يجعل أي سيناريو يتضمن نقل القناة إلى دولة أجنبية أو التخلي عن السيادة المصرية عليها مختلفًا جذريًا عن مجرد إعادة توزيع أصل بين مؤسسات حكومية.
الأزمة الاقتصادية هي الخلفية الحقيقية للجدل
لكن الحساسية التي أثارها طرح هيكل لا يمكن فصلها عن الوضع الاقتصادي المصري. خلال السنوات الماضية، وسعت القاهرة برامجها لإعادة هيكلة ملكية عدد من الشركات والأصول العامة، وفتحت قطاعات مختلفة أمام الاستثمار الخاص والأجنبي، في محاولة لجذب العملة الصعبة وتخفيف الضغوط على الموازنة والدين.
هذه السياسة أثارت بدورها نقاشًا داخليًا حول الفرق بين جذب الاستثمار إلى أصول الدولة وبين التخلي عن السيطرة على تلك الأصول.
ومع ارتفاع أعباء الدين وتكاليف خدمته، أصبح ملف أصول الدولة جزءًا أساسيًا من النقاش الاقتصادي المصري، خصوصًا في ظل حاجة الحكومة إلى توفير موارد إضافية من دون اللجوء إلى مزيد من الاقتراض. وفي هذا السياق تحديدًا، يصبح ذكر قناة السويس شديد الحساسية
ما وراء "بيع القناة"
حتى الآن، لا تشير تصريحات الحكومة أو طرح هيكل إلى وجود خطة رسمية لبيع قناة السويس أو نقل سيادتها إلى جهة أجنبية. لكن الجدل كشف شيئًا آخر أكثر أهمية: درجة الحساسية التي باتت تحيط بإدارة الأصول الاستراتيجية في مصر في ظل الأزمة الاقتصادية. فبالنسبة إلى منتقدي "المقايضة الكبرى"، المشكلة لا تبدأ عند لحظة البيع الفعلي، وإنما عند تحويل أصل استراتيجي مثل قناة السويس إلى رقم يمكن وضعه في ميزانية أو استخدامه في معادلة محاسبية لتسوية الديون.
أما بالنسبة إلى الحكومة، فالقضية مختلفة: الحديث عن نقل أصول بين مؤسسات الدولة لا يعني بيعها أو التخلي عن السيطرة عليها، ولا ينبغي الخلط بين إعادة ترتيب الملكية داخل القطاع العام وبين الخصخصة أو نقل السيادة.
وبين الموقفين، تكشف أزمة «المقايضة الكبرى» عن معضلة أوسع تواجه الاقتصاد المصري: كيف يمكن للدولة الاستفادة من أصولها الضخمة لتخفيف أعباء الديون، من دون أن يتحول ذلك إلى مصدر جديد للقلق بشأن السيطرة على الأصول الاستراتيجية؟
وفي حالة قناة السويس، يبدو أن مجرد طرح السؤال كان كافيًا لإشعال العاصفة.
