- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- العراق يطوي صفحة الوجود العسكري الأميركي.. واختبار السلاح يبدأ الآن
العراق يطوي صفحة الوجود العسكري الأميركي.. واختبار السلاح يبدأ الآن
انسحاب واشنطن ينهي وجوداً عسكرياً بدأ مع حرب 2003.. وحكومة علي الزيدي تحدي حصر السلاح بيد الدولة وسط مخاوف كردية وتساؤلات بشأن مستقبل النفوذ الإيراني

يبدأ العراق مرحلة جديدة مع اكتمال انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي من آخر مواقعها العسكرية، تنفيذاً للاتفاق الذي أبرمته بغداد وواشنطن عام 2024. ويُنهي الانسحاب آخر فصل من الوجود العسكري الأميركي الذي بدأ مع غزو العراق عام 2003، قبل أن تنسحب القوات القتالية في 2011 ثم تعود في 2014، بناءً على طلب الحكومة العراقية، بعد سيطرة تنظيم "داعش" على مساحات واسعة من شمال وغرب البلاد. وتقول بغداد إن الأول من أكتوبر يمثل بداية مرحلة يكون فيها القرار الأمني والعسكري عراقياً، بينما تنتقل العلاقة مع واشنطن إلى التعاون الأمني والتدريب والتسليح.
لكن انتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يغلق ملف الأمن العراقي، بل يضعه أمام اختبار أكثر تعقيداً: من يملك قرار استخدام القوة داخل العراق؟ فالحكومة العراقية تسعى إلى تثبيت مبدأ حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، في وقت لا تزال فيه فصائل مسلحة موالية لإيران تحتفظ بترساناتها وتعارض، بدرجات مختلفة، فكرة التخلي عنها. وكانت بغداد قد ربطت مرحلة ما بعد الانسحاب ببرنامج لتنظيم سلاح الفصائل، إلا أن تنفيذ هذا المسار تأجل، مع استمرار الخلاف حول آليات دمج هذه الجماعات أو نزع سلاحها.
بالنسبة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي، تبدو معادلة ما بعد الانسحاب مرتبطة بقدرته على منع انتقال العراق من مرحلة وجود القوات الأجنبية إلى مرحلة جديدة من تعدد مراكز القوة المسلحة. فالانسحاب أزال أحد أبرز المبررات التي استخدمتها الفصائل لتبرير استمرار سلاحها، فيما تواجه الحكومة سؤالاً مباشراً حول ما إذا كانت ستتمكن من فرض قرارها على جميع القوى المسلحة، أم أن السلاح سيبقى جزءاً من التوازن السياسي والأمني الداخلي. وتقول تحليلات عراقية ودولية إن ملف الفصائل سيكون من أبرز الاختبارات أمام الحكومة بعد 30 سبتمبر.
الفصائل من جهتها تحاول تقديم الانسحاب باعتباره نتيجة مباشرة للضغط الذي مارسته على القوات الأميركية خلال السنوات الماضية، وقد احتفت جماعات مسلحة بالرحيل باعتباره استعادة للسيادة العراقية. لكن انتهاء الوجود الأميركي لا يعني انتهاء قدرة واشنطن على التأثير في العراق؛ إذ تنتقل العلاقة إلى إطار مختلف يعتمد بدرجة أكبر على التعاون الأمني والعلاقات الإقليمية والاقتصادية، فيما يعاد نشر جزء من القوات الأميركية التي غادرت العراق في الأردن ومواقع أخرى في المنطقة.
من حرير إلى فيكتوري.. نهاية الوجود على الأرض
كان خروج القوات الأميركية من قاعدة حرير قرب أربيل آخر أبرز محطات الانسحاب، وهي القاعدة التي لعبت خلال السنوات الماضية دوراً مهماً في العمليات الأميركية المرتبطة بشمال العراق وسوريا. أما قاعدة فيكتوري قرب مطار بغداد الدولي، فكانت من أبرز المواقع التي سلمتها القوات الأميركية، بعد أن ارتبطت لسنوات بالوجود العسكري والاستخباري الأميركي في العاصمة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الانسحاب لم يحدث دفعة واحدة، بل جاء نتيجة عملية تدريجية بدأت قبل الموعد النهائي بوقت طويل. وكانت معظم القوات الأميركية قد غادرت قواعدها في مناطق عراقية مختلفة، فيما بقيت أعداد محدودة في إقليم كردستان حتى الموعد النهائي في 30 سبتمبر. ووفق تقارير أميركية، أعيد نقل القوات المتبقية إلى الأردن ودول أخرى في المنطقة.
وبذلك، فإن ما ينتهي اليوم هو الوجود العسكري الأميركي على الأراضي العراقية، وليس العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن. كما أن العراق لا يدخل مرحلة فراغ أمني بالمعنى الكامل، إذ تؤكد بغداد أن قواتها باتت تتولى العمليات الجوية والأمنية بصورة مستقلة، فيما يستمر التعاون في مجالات التدريب والتسليح وتبادل المعلومات.
واشنطن تغادر.. لكن المنطقة تبقى حاضرة
التحول لا يقتصر على الداخل العراقي. فالولايات المتحدة لم تعد مضطرة إلى إبقاء قوات كبيرة داخل العراق لتقديم الدعم العسكري أو الاستخباري، بعدما أصبحت لديها قدرة على العمل من مواقع أخرى في المنطقة. وهذا يغيّر طبيعة العلاقة بين واشنطن وبغداد، ويمنح الولايات المتحدة مساحة أكبر لإدارة وجودها الإقليمي من خارج الأراضي العراقية.
وفي الوقت نفسه، يثير هذا التحول مخاوف لدى إقليم كردستان، الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأميركي في مواجهة تهديدات أمنية مختلفة، بما في ذلك الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ. وحذرت شخصيات كردية من أن خروج القوات الأميركية ومنظومات الدفاع الجوي المرتبطة بها يأتي في توقيت إقليمي حساس، بينما تؤكد بغداد أن قواتها قادرة على تحمل المسؤولية الأمنية بعد انتهاء مهمة التحالف.
وتختلف المخاوف الحالية عن سيناريو 2014، عندما أدى تمدد "داعش" إلى عودة القوات الأميركية إلى العراق. فالتنظيم لم يعد يسيطر على أراضٍ واسعة كما كان في ذروة توسعه، لكن خلاياه لا تزال موجودة، فيما تبرز تحديات أخرى مرتبطة بالفصائل المسلحة، والتوترات الإقليمية، والقدرات الدفاعية للعراق. ويجعل ذلك من مرحلة ما بعد الانسحاب اختباراً لقدرة المؤسسات العراقية على إدارة الأمن بعيداً عن المظلة العسكرية الأميركية.
اليوم التالي.. السلاح أم الدولة؟
المفارقة العراقية أن انتهاء الوجود الأميركي، الذي كان أحد أهم أسباب بقاء بعض الفصائل المسلحة في حالة تعبئة، لا يعني تلقائياً انتهاء دورها. بل على العكس، فإن السؤال الأصعب يبدأ بعد مغادرة الأميركيين: هل تنتقل الفصائل إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي والمؤسسي، أم تعيد تعريف دورها وسلاحها وفق التطورات الإقليمية؟
وتواجه حكومة الزيدي هنا معادلة مزدوجة. فمن جهة، تريد تثبيت صورة العراق كدولة صاحبة قرار أمني مستقل، ومن جهة أخرى، عليها التعامل مع قوى مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً. وكانت تقارير وتحليلات عراقية قد أشارت إلى أن الموعد المحدد لنزع السلاح أو تنظيمه قد يتجاوز 30 سبتمبر، ما يعني أن الانسحاب الأميركي لا يمثل نهاية هذا الملف، بل بداية مرحلة جديدة منه.
وفي المقابل، ترى واشنطن أن القوات العراقية، إلى جانب قوات البيشمركة وقوات إقليم كردستان، أصبحت قادرة على تولي المسؤولية الأساسية في مواجهة خلايا "داعش". وقد أعلنت بغداد بالفعل أن المهام الجوية داخل البلاد باتت تُنفذ بصورة مستقلة، فيما انتقلت العلاقة مع الولايات المتحدة إلى صيغة تقوم على التعاون الأمني بدلاً من الوجود العسكري المباشر.
وهكذا يدخل العراق يومه الأول بلا قوات أميركية على أراضيه، لكن ليس بلا نفوذ أميركي أو تحديات أمنية. فالمعادلة الجديدة ستُقاس بقدرة بغداد على إدارة ثلاثة ملفات متزامنة: الأمن الداخلي، وسلاح الفصائل، وموقع العراق بين الولايات المتحدة وإيران في بيئة إقليمية شديدة التوتر. وما بعد 30 سبتمبر قد يكون أقل ارتباطاً بسؤال بقاء القوات الأجنبية، وأكثر ارتباطاً بسؤال من يملك القرار العسكري والسياسي داخل العراق.
