- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- موازين القوة في اليمن: هل تقترب المواجهة الشاملة بين الحكومة والحوثيين؟
موازين القوة في اليمن: هل تقترب المواجهة الشاملة بين الحكومة والحوثيين؟
سنوات من "اللاحرب واللاسلم" تقترب من نهايتها مع تصاعد التحشيد على جبهات مأرب وتعز والساحل الغربي

بعد أكثر من أربع سنوات على الهدنة التي بدأت في أبريل/نيسان 2022 برعاية الأمم المتحدة، تبدو معادلة "اللاحرب واللاسلم" في اليمن أمام اختبار جديد. التصعيد العسكري المتسارع بين القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين خلال الأسبوع الأخير، ولا سيما على محاور مأرب وتعز والساحل الغربي، يعيد احتمال العودة إلى مواجهة واسعة إلى واجهة المشهد.
وعلى الرغم من أن الاشتباكات لم تتحول بعد إلى حرب شاملة، فإن مؤشرات الميدان تتجاوز مجرد جولات عابرة من تبادل القصف أو المناوشات. إعادة الانتشار، وحشد القوات، واختبار خطوط الدفاع، ورفع مستوى الجاهزية على أكثر من جبهة، كلها مؤشرات توحي بأن الطرفين يتعاملان مع المرحلة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أوراق القوة، لا مجرد أزمة مؤقتة.
وبهذا المعنى، فإن الهدنة التي أبقت الجبهات الرئيسية هادئة نسبياً خلال السنوات الماضية تبدو أقرب إلى فترة لإعادة بناء القدرات والاستعداد، منها إلى تسوية مستقرة قادرة على معالجة جذور الصراع.
الحوثيون: عقيدة قتالية مركزية وسلاح غير متماثل
أحد أبرز الفوارق بين طرفي الصراع لا يتعلق بعدد المقاتلين أو حجم الترسانة فحسب، بل بطبيعة البنية النفسية والأيديولوجية التي تحكم عملية التعبئة.
فالحوثيون طوروا خلال سنوات الحرب منظومة تعبئة عقائدية متماسكة تستند إلى ما تطلق عليه الجماعة "المسيرة القرآنية"، وتربط القتال برؤية أيديولوجية واسعة للصراع، تستحضر التاريخ والمظلومية والهوية الدينية في تفسير المواجهة مع الخصوم المحليين والخارجيين.
هذه المنظومة تمنح الجماعة قدرة على الحفاظ على درجة مرتفعة من الانضباط والتعبئة، خصوصاً في البيئات التي نجحت في ترسيخ نفوذها فيها. كما تسمح القيادة المركزية بتحويل الخطاب السياسي والعقائدي سريعاً إلى تعليمات ميدانية، وهو عامل يمنح الحوثيين ميزة إضافية في إدارة المعركة.
في المقابل، تستند القوات الحكومية إلى شرعية الدولة ومؤسساتها وإلى فكرة الحفاظ على النظام الجمهوري في مواجهة مشروع الحوثيين. لكن هذه المرجعية تصطدم بواقع عسكري وسياسي أكثر تعقيداً، يتمثل في تعدد التشكيلات ومراكز النفوذ وتداخل الاعتبارات السياسية والمناطقية داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
الترسانة: تفوق حوثي في «الضرب من بعيد» مقابل قوة نارية حكومية أكبر
على المستوى العسكري، بنى الحوثيون خلال سنوات الحرب قدرة متقدمة على استخدام الأسلحة غير المتماثلة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والمجنحة. ومن خلال تطوير قدرات التصنيع المحلي والاستفادة من الخبرات والتقنيات الإيرانية، تمكنت الجماعة من بناء منظومة تسمح لها باستهداف مسافات بعيدة وتهديد منشآت حيوية وخطوط إمداد وأهداف استراتيجية.
وتكمن أهمية هذه الترسانة في أنها لا تحتاج إلى تفوق تقليدي في الدبابات والمدفعية والقوات الجوية كي تفرض كلفة مرتفعة على خصومها. فالصواريخ والطائرات المسيّرة تمنح الحوثيين قدرة على نقل المعركة إلى عمق الخصم، وخلق حالة مستمرة من الردع والضغط النفسي والعسكري.
في المقابل، تمتلك القوات الحكومية والتشكيلات العسكرية المساندة لها ترسانة تقليدية أكبر، تشمل المدرعات والمدفعية وراجمات الصواريخ، إلى جانب قدرات جوية ومسيّرة تطورت خلال سنوات الحرب، مستفيدة من الدعم العسكري والاستخباراتي الإقليمي.
غير أن امتلاك السلاح المتقدم لا يعني تلقائياً القدرة على تحويله إلى تفوق ميداني. ففعالية القوة الجوية والمسيّرات والقدرات النارية الحكومية تبقى مرتبطة بمدى التنسيق بين التشكيلات المختلفة، وبوجود قيادة عملياتية موحدة قادرة على تحويل التفوق الناري إلى نتائج على الأرض.
الجغرافيا: الجبال تحمي الحوثيين والنفط يمنح الحكومة عمقاً استراتيجياً
تلعب الجغرافيا اليمنية دوراً لا يقل أهمية عن السلاح في تحديد موازين القوة. فالجبال والمرتفعات الوعرة تمنح الحوثيين ميزة دفاعية كبيرة، خصوصاً في المناطق التي تشكل امتداداً طبيعياً لنفوذهم في شمال البلاد ووسطها.
وقد استفادت الجماعة من هذه الطبيعة الجغرافية في بناء شبكة من التحصينات والمواقع العسكرية والأنفاق، بما يصعب على القوات المهاجمة تحقيق اختراق سريع، ويمنح المدافعين قدرة على المناورة وإعادة التموضع.
في المقابل، تسيطر الحكومة والقوى المتحالفة معها على مناطق ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية، خصوصاً مأرب وشبوة وحضرموت، بما تضمه من موارد نفطية وغازية ومساحات واسعة.
لكن هذه الميزة تحمل في الوقت نفسه نقطة ضعف. فالمساحات الجغرافية الواسعة تعني خطوط إمداد طويلة ومكشوفة في بعض المناطق، الأمر الذي يجعل حماية المواقع والمنشآت الحيوية وتأمين الطرق البرية تحدياً مستمراً، خصوصاً في حال اتساع رقعة القتال.
نقطة الضعف الأكبر لدى الحكومة: تعدد مراكز القرار
إذا كان الحوثيون يتمتعون بميزة مركزية القرار، فإن المعسكر المناهض لهم يواجه مشكلة معاكسة تقريباً.
فالقوات التابعة للحكومة لا تعمل باعتبارها كتلة عسكرية واحدة بالكامل، بل تضم تشكيلات وألوية وقوى ترتبط بدرجات متفاوتة بالحكومة أو بقوى سياسية ومناطقية مختلفة، من بينها ألوية العمالقة وقوات درع الوطن وتشكيلات عسكرية أخرى.
هذا التنوع يمنح المعسكر الحكومي قاعدة بشرية وعسكرية واسعة، لكنه قد يتحول إلى عبء في حال اندلاع حرب شاملة، إذا لم ينجح في توحيد غرفة العمليات وسلاسل القيادة.
أما الحوثيون، فتتميز منظومتهم العسكرية والأمنية بدرجة أعلى من المركزية، إذ تتركز عملية صنع القرار في قيادة الجماعة، وعلى رأسها عبد الملك الحوثي. هذه المركزية تسمح باتخاذ القرارات وتنفيذها بسرعة، وتحد من احتمالات التناقض بين المكونات العسكرية والسياسية.
العامل الإقليمي قد يكون أهم من موازين القوة المحلية
لا يمكن قراءة مستقبل المواجهة اليمنية من داخل اليمن وحده. فالحرب أصبحت منذ سنوات جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، تتقاطع فيها حسابات السعودية وإيران وسلطنة عُمان، إلى جانب الولايات المتحدة والدول الأوروبية المعنية بأمن البحر الأحمر وطرق التجارة الدولية.
وتلعب الاتصالات السعودية ـ العُمانية دوراً مهماً في إبقاء قنوات التهدئة مفتوحة، فيما يمثل استمرار التوتر في البحر الأحمر عاملاً إضافياً يضع الملف اليمني تحت مراقبة دولية مكثفة.
وفي المقابل، يمثل الدعم الإيراني للحوثيين أحد أهم عناصر القوة التي سمحت للجماعة بتطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة، في وقت تنظر فيه أطراف إقليمية ودولية إلى الجماعة باعتبارها جزءاً من معادلة أمنية تتجاوز الحدود اليمنية.
لهذا السبب، فإن أي قرار بالذهاب إلى حرب شاملة لن يكون قراراً يمنياً خالصاً. فالمواجهة يمكن أن تمتد سريعاً إلى البحر الأحمر والممرات البحرية والمنشآت الحيوية في المنطقة، وهو ما يرفع كلفة الحرب بالنسبة إلى جميع الأطراف.
محللون: توحيد القوات وفتح الجبهات قد يغيران المعادلة
ويرى محللون عسكريون أن أي محاولة لتحقيق حسم عسكري تبدأ أولاً من داخل المعسكر الحكومي نفسه، عبر توحيد جميع التشكيلات العسكرية التابعة للشرعية أو الداعمة لها تحت غرفة قيادة وسيطرة واحدة.
ويعتقد المحللون أن القوات الحكومية تستطيع استغلال نقاط الضعف التي يرى أنها موجودة لدى الحوثيين، ولا سيما ما يصفه بنقص الأفراد والقدرة على تغطية جميع جبهات التماس في وقت واحد.
ويرى مراقبون أن القوة الجوية والمسيّرات الحديثة التي تمتلكها القوات الحكومية وحلفاؤها يمكن أن توفر غطاءً نارياً مهماً، لكن نجاح أي عملية برية سيبقى مرتبطاً بقدرة هذه القوات على تنسيق عملياتها وتحويل التفوق الجوي إلى مكاسب ميدانية.
وحسب مراقبين فإن الحكومة اليمنية تمتلك مجموعة من أوراق القوة السياسية والاستراتيجية التي لم تستخدمها، بحسب تقديره، بالفاعلية المطلوبة.. ويضع هؤلاء في مقدمة هذه الأوراق الاعتراف الدولي بالحكومة والشرعية الدستورية، إضافة إلى تزايد الاهتمام الدولي بالتهديدات التي يمثلها الحوثيون لأمن الملاحة الدولية وطرق التجارة في البحر الأحمر.
عودة التصعيد العسكري تفرض على الحكومة الانتقال من موقع الدفاع السياسي إلى تحرك دبلوماسي أكثر نشاطاً، بهدف تحويل المخاوف الدولية من الحوثيين إلى دعم سياسي وعسكري أكثر وضوحاً للحكومة.
كما أن استمرار التوتر المرتبط بالتهديدات الحوثية لأمن السعودية يمكن أن يفتح الباب أمام تنسيق إقليمي أوسع، مع أهمية تعميق التعاون مع الرياض ودول إقليمية أخرى.. حسب مراقبين.
حرب شاملة أم عودة إلى "اللاحرب واللاسلم"؟
رغم التصعيد المتزايد، لا تبدو أي من القوتين قادرة على ضمان نصر سريع وحاسم. الحوثيون يمتلكون مزايا واضحة في المركزية التنظيمية، والحرب غير المتماثلة، والصواريخ والمسيّرات، والقدرة على الاستفادة من التضاريس الجبلية.
في المقابل، تمتلك الحكومة والقوى المتحالفة معها عمقاً جغرافياً واقتصادياً، وقاعدة عسكرية وبشرية واسعة، واعترافاً دولياً، فضلاً عن إمكانية الاستفادة من الدعم الإقليمي.
لكن هذه المعادلة لا تعني بالضرورة توازناً مستقراً. بل قد تكون أقرب إلى توازن يمنع الحسم لكنه لا يمنع الانفجار.
فالذهاب إلى حرب شاملة قد يضع الحوثيين أمام اختبار قدرتهم على القتال في جبهات متعددة في الوقت نفسه، لكنه في المقابل قد يضع المعسكر الحكومي أمام اختبار أكثر صعوبة يتعلق بتوحيد صفوفه والحفاظ على تماسكه السياسي والعسكري.
وبالتالي، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: من يمتلك القوة الأكبر؟ بل: من يستطيع تحويل عناصر قوته إلى قرار عسكري موحد ومستدام؟
حتى الآن، لا يبدو أن الإجابة محسومة. ولذلك يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الضغط المتبادل ورفع الجاهزية ومحاولات تحسين المواقع التفاوضية، مع بقاء احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً إذا فشلت قنوات التهدئة الإقليمية في احتواء التصعيد.
موازين القوة في اليمن لا تشير إلى حرب يمكن لطرف واحد أن يضمن نهايتها عسكرياً، بقدر ما تكشف عن معادلة شديدة الهشاشة: كل طرف قادر على إيلام الآخر، لكن لا أحد يملك حتى الآن القدرة الواضحة على إنهائه. وهذا تحديداً ما يجعل أي تصعيد جديد قابلاً للتحول من جولة محدودة إلى حرب أوسع، وفي الوقت نفسه يجعل كلفة قرار الحرب أعلى بكثير من كلفة إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.
