- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- صفقة "ريشيو – فاروس" تثير جدلًا واسعًا في مصر.. مخاوف من نفوذ إسرائيلي في قطاع الطاقة
صفقة "ريشيو – فاروس" تثير جدلًا واسعًا في مصر.. مخاوف من نفوذ إسرائيلي في قطاع الطاقة
استحواذ إسرائيلي محتمل على أصول نفطية داخل مصر يعيد النقاش حول السيادة الاقتصادية وملف الخصخصة

أثار إعلان شركة "ريشيو بتروليوم" الإسرائيلية نيتها الاستحواذ على شركة "فاروس إنرجي" البريطانية العاملة في مصر موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والاقتصادية المصرية، وسط مخاوف من انتقال نفوذ إسرائيلي إلى قطاع الطاقة المصري عبر صفقات استحواذ عابرة للحدود.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية كشفت، في 24 يونيو/حزيران الجاري، أن الصفقة المقترحة تُقدّر قيمتها بنحو 124.3 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل قرابة 164 مليون دولار، وتشمل أصولًا نفطية وغازية في مصر وفيتنام.
ورغم أن الصفقة لا تزال بانتظار الموافقات النهائية من الجهات التنظيمية والمساهمين، فإن الإعلان عنها أعاد إلى الواجهة ملف بيع الأصول الاستراتيجية، وحدود الانفتاح الاستثماري في القطاعات السيادية داخل مصر.
تفاصيل الصفقة وخلفياتها
تعمل شركة "فاروس إنرجي" البريطانية في مجال التنقيب عن النفط والغاز، وتمتلك امتيازات داخل مصر في مناطق الفيوم وشمال بني سويف والصحراء الغربية، إلى جانب أنشطة أخرى في فيتنام.
وخلال الفترة الأخيرة، واجهت الشركة ضغوطًا مالية دفعتها إلى مراجعة استثماراتها والتفكير في التخارج من بعض الأسواق، بما في ذلك السوق المصري، رغم تحسن نسبي في أوضاعها المالية بعد استرداد جزء من مستحقاتها لدى الحكومة المصرية.
وفي هذا الإطار، تقدمت شركة “ريشيو بتروليوم” الإسرائيلية بعرض للاستحواذ على الشركة البريطانية، ضمن مساعيها لتوسيع نشاطها خارج إسرائيل، خاصة بعد صعودها في قطاع الطاقة عقب اكتشاف حقل “ليفياثان”.
كما أشارت تقارير إلى أن الشركة الإسرائيلية تدرس إمكانية بيع جزء من أصول “فاروس” في مصر لاحقًا إلى طرف ثالث، بالتوازي مع دمج محافظ الأصول التابعة للشركتين.
ما حجم استثمارات "فاروس" داخل مصر؟
تتركز استثمارات "فاروس إنرجي" في مصر داخل منطقتي امتياز رئيسيتين تُعدان من المناطق المهمة في قطاع النفط والغاز المصري.
الامتياز الأول يقع في منطقة الفيوم، ويضم 11 حقلًا نفطيًا قيد الإنتاج، بينما تمتلك الشركة البريطانية فيه حصة تبلغ 45% بالشراكة مع شركة “IPR Lake Qarun”.
ما الامتياز الثاني، فيقع في منطقة شمال بني سويف داخل الحوض البترولي المعروف في المنطقة، وتمتلك “فاروس” فيه أيضًا حصة تقدر بنحو 45%.
وتُصنف هذه المناطق ضمن الأصول ذات الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية في قطاع الطاقة المصري، وهو ما يفسر حساسية الجدل الدائر حول الصفقة المحتملة.
لماذا أثارت الصفقة قلقًا في مصر؟
يرى مراقبون أن الجدل لا يرتبط فقط بانتقال ملكية شركة أجنبية إلى أخرى، بل بإمكانية دخول نفوذ إسرائيلي – ولو بصورة غير مباشرة – إلى قطاع الطاقة المصري، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد القطاعات السيادية المرتبطة بالأمن الاقتصادي.
ويأتي ذلك في ظل طموحات إسرائيلية معلنة للتحول إلى لاعب إقليمي رئيسي في سوق الطاقة شرق المتوسط، وهو ما تعتبره بعض الأوساط المصرية عاملًا قد يخلق تنافسًا مباشرًا مع الدور الذي تسعى القاهرة إلى ترسيخه كمركز إقليمي للطاقة.
كما تصاعدت المخاوف على خلفية التوترات السياسية والإقليمية الأخيرة، خصوصًا خلال الحرب في غزة، حيث شهد ملف الغاز بين مصر وإسرائيل توترات مرتبطة بقضايا الحدود والطاقة وموقف القاهرة من ملف تهجير الفلسطينيين.
ويرى منتقدو الصفقة أن أي وجود إسرائيلي داخل أصول مرتبطة بالطاقة في مصر قد يُنظر إليه مستقبلاً كأداة نفوذ أو ضغط سياسي في أوقات الأزمات الإقليمية.
الخصخصة وبيع الأصول يعودان إلى الواجهة
أعاد الجدل حول الصفقة النقاش مجددًا بشأن برنامج الخصخصة والتخارج الحكومي من بعض القطاعات الاقتصادية، في ظل اتجاه الحكومة المصرية خلال السنوات الماضية إلى بيع حصص وأصول في مجالات استراتيجية، من بينها الطاقة والموانئ والزراعة والأدوية.
وتثير هذه السياسات مخاوف لدى قطاعات من الرأي العام المصري بشأن إمكانية انتقال ملكية بعض الأصول لاحقًا إلى جهات أو كيانات لا تتوافق مصالحها مع المصالح المصرية، سواء عبر إعادة البيع أو تغير هياكل الملكية.
ويرى خبراء أن الخطورة لا تكمن فقط في هوية المستثمر الأول، بل في احتمالات انتقال الأصول مستقبلًا إلى أطراف أخرى قد تمتلك نفوذًا سياسيًا أو اقتصاديًا مؤثرًا.
دعوات لتشديد الرقابة على الصفقات الاستراتيجية
في ضوء الجدل المتصاعد، برزت دعوات داخل مصر لإعادة تقييم آليات بيع الأصول الحكومية، ووضع ضوابط قانونية وسيادية أكثر صرامة تمنع انتقال الأصول الاستراتيجية إلى أطراف تعتبرها القاهرة منافسة أو معادية لمصالحها.
كما طالب مراقبون بإخضاع الصفقات الكبرى في القطاعات الحساسة لرقابة أكثر شفافية، تأخذ بعين الاعتبار اعتبارات الأمن القومي إلى جانب العوائد الاقتصادية.
ورغم الضجة التي أثارتها الصفقة، فإنها لا تزال في مراحلها الأولية، إذ تتطلب موافقات الجهات التنظيمية المختصة في مصر وفيتنام، إضافة إلى موافقة المساهمين، فيما تشير التقديرات إلى إمكانية استكمالها خلال النصف الأول من عام 2027.
لكن الجدل الذي رافق الإعلان عنها يعكس حجم الحساسية المرتبطة بملف الطاقة والسيادة الاقتصادية في مصر، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحوّل الأصول الاستراتيجية إلى أدوات نفوذ سياسي أو اقتصادي في المنطقة.
