- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- "تنازل لله".. مبادرة فلسطينية في الضفة الغربية لإسقاط الديون في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة
"تنازل لله".. مبادرة فلسطينية في الضفة الغربية لإسقاط الديون في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة
حملة أطلقها صحفي فلسطيني تحولت إلى مبادرات فردية وتقترب من 10 ملايين شيقل وسط تراجع فرص العمل وارتفاع الأعباء المعيشية

في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على الأسر الفلسطينية في الضفة الغربية، وتواجه شرائح واسعة صعوبات في تأمين الدخل والوفاء بالالتزامات المالية، ظهرت مبادرة اجتماعية تقدم حلاً غير تقليدي: إسقاط الديون بدلاً من جمع التبرعات.
حملة "تنازل لله"، التي أطلقها الصحفي والناشط المجتمعي علاء الريماوي عبر منصات التواصل الاجتماعي، تدعو أصحاب الحقوق إلى مسامحة المدينين والتنازل، كلياً أو جزئياً، عن مستحقاتهم المالية، بهدف تخفيف الأعباء عن الأشخاص الذين تعثرت أوضاعهم الاقتصادية.
من مبادرة فردية إلى ظاهرة مجتمعية
يقول الريماوي إن الفكرة انطلقت من محاولة "جبر خواطر الناس"، وتشجيع القادرين على التنازل عن بعض حقوقهم لمن يواجهون صعوبة في السداد.
وخلال فترة قصيرة، توسعت المبادرة لتشمل أفرادًا من قطاعات مختلفة، بينهم مزارعون وعمال وأصحاب مهن وأصحاب متاجر، إلى جانب شركات ومؤسسات وأفراد.
وبحسب ما نشره الريماوي، شملت الحالات المعلنة أشخاصاً مزقوا شيكات، وآخرين أتلفوا دفاتر ديون، فيما أعلن أصحاب حقوق إسقاط مستحقات مالية تراوحت بين مبالغ صغيرة وآلاف الشواقل.
ومن بين الحالات، أعلن أحد المشاركين التنازل عن 4 آلاف شيقل من ثمن سيارة، بينما أعلن صاحب كشك مسامحته شخصاً بدين قدره 130 شيقلاً. كما أعلن شخص آخر إسقاط ديون عن ثلاثة مقترضين بقيمة إجمالية بلغت 5 آلاف شيقل.
أزمة اقتصادية تضاعف أعباء الديون
تأتي الحملة في وقت تواجه فيه الضفة الغربية ضغوطاً اقتصادية متزايدة، مع تراجع فرص العمل والدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، وهي عوامل تجعل الالتزامات المالية أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من الأسر.
ولا تتعلق المشكلة بالديون وحدها، إذ أدى تراجع النشاط الاقتصادي وفقدان آلاف العمال لمصادر دخلهم أو تضرر أعمالهم إلى زيادة الضغوط على الأسر وأصحاب المشاريع الصغيرة.
ويقول فلسطينيون إن المبادرة يمكن أن تساعد في "تفريج كرب الإنسان ومساعدة الأسر المحتاجة"، ويشيرون إلى أن الظروف الاقتصادية أثرت على العمال والموظفين على حد سواء، وأضعفت قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم.
ويرى آخرون أن استمرار المبادرة يحتاج إلى مشاركة مجتمعية أوسع، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن قرار التنازل يبقى مرتبطاً بقدرة كل صاحب حق وظروفه الخاصة.
من إسقاط الدين إلى شبكة تضامن
البعد اللافت في المبادرة لا يرتبط بقيمة الأموال التي جرى إسقاطها فقط، بل بالطريقة التي تحولت فيها قصص فردية إلى رسائل تضامن اجتماعي.
ويروي الريماوي أن أحد الآباء اتصل به لإبلاغه بأنه تنازل عن حق مالي بقيمة 3 آلاف شيقل ومزق الشيك، قبل أن تطلب ابنته الصغيرة الحديث معه. وعندما تحدث إليها، قالت إنها مدينة لأخيها بـ10 شواقل وإنها قررت مسامحته بها.
القصة، رغم بساطة المبلغ، تلخص الرسالة التي تحاول الحملة إيصالها: قيمة التنازل لا تقاس دائماً بحجم الدين، وإنما بالأثر الذي يمكن أن يتركه على شخص يواجه ضائقة مالية.
هل تستطيع المؤسسات القيام بدور أكبر؟
وتفتح الحملة نقاشًا أوسع حول الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الاقتصادية في مواجهة تداعيات الأزمة، بدلاً من ترك مهمة التخفيف عن المتعثرين للمبادرات الفردية وحدها.
فإلى جانب إسقاط الديون بشكل طوعي، يمكن للمؤسسات المالية والشركات وأصحاب الخدمات اعتماد آليات لإعادة جدولة الالتزامات، وتقديم تسهيلات مؤقتة، ومنح المتعثرين مساحة زمنية أطول لتجاوز أزماتهم.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، يمكن لمثل هذه الإجراءات أن توفر متنفساً للأسر وأصحاب الأعمال الصغيرة، من دون أن تعني بالضرورة إلغاء الالتزامات المالية بصورة كاملة.
مبادرة محدودة.. ورسالة أكبر
لا يمكن لمبادرة اجتماعية من هذا النوع أن تعالج بمفردها أزمة اقتصادية واسعة تتداخل فيها البطالة وتراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع النشاط الاقتصادي.
لكن "تنازل لله" تحاول معالجة جانب مختلف من الأزمة: العلاقة بين الدائن والمدين، وإمكانية تحويل بعض الديون المستحقة إلى فرصة جديدة لمن فقد القدرة على السداد.
وبين شخص يمزق شيكاً بقيمة آلاف الشواكل، وآخر يسقط ديناً صغيراً، وطفلة تتنازل عن عشرة شواقل لأخيها، تحاول المبادرة ترسيخ فكرة بسيطة: في الأزمات الاقتصادية، قد يكون تخفيف العبء عن فرد واحد شكلاً من أشكال التضامن المجتمعي.
وفي الضفة الغربية، حيث تتراكم الضغوط الاقتصادية على قطاعات واسعة من المجتمع، قد لا تكون قيمة المبادرة في حجم الأموال التي أُسقطت، بقدر ما تكمن في قدرتها على تحويل التنازل الفردي إلى سلوك تضامني أوسع.
