- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- اتفاق مكة يضع الصين أمام معادلة معقدة في الشرق الأوسط
اتفاق مكة يضع الصين أمام معادلة معقدة في الشرق الأوسط
تحالف إقليمي قد يضعف المظلة الأمنية الأميركية ويخدم بكين... ويقلقها في الوقت نفسهو يهدد توازنها الدقيق مع إيران

تجد الصين نفسها أمام معادلة استراتيجية معقدة مع بروز اتفاقية مكة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان. فالاتفاقية تحمل، من المنظور الصيني، جانباً إيجابياً واضحاً يتمثل في تراجع الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة في توفير الأمن لدول الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح جبهة جديدة من التنافس الجيوسياسي والتسليحي في منطقة تحرص بكين على إبقائها مستقرة.
وتنظر بكين منذ سنوات إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة حيوية لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ليس فقط بسبب النفط والغاز، وإنما أيضاً بسبب موقعه على طرق التجارة البحرية التي تربط الصين بأوروبا وأفريقيا ضمن مبادرة «الحزام والطريق».
ومن هذه الزاوية، فإن نشوء ترتيبات أمنية إقليمية تعتمد بدرجة أكبر على القوى المحلية والإقليمية يمكن أن يتوافق مع الرؤية الصينية لنظام دولي متعدد الأقطاب، تتراجع فيه قدرة واشنطن على احتكار ترتيبات الأمن في المناطق الحيوية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التحالف الإقليمي من أداة لتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الأمني إلى محور في مواجهة إيران.
إيران هي الاختبار الأصعب للسياسة الصينية
تكمن المعضلة الأساسية بالنسبة إلى بكين في علاقتها مع طهران. فالصين حافظت خلال السنوات الماضية على شراكة استراتيجية مع إيران، وفي الوقت نفسه عملت على بناء علاقات وثيقة مع السعودية ودول الخليج.
وقد تمكنت بكين، في مارس/آذار 2023، من رعاية اتفاق استعادة العلاقات بين السعودية وإيران، مقدمة نفسها بوصفها طرفاً قادراً على لعب دور الوسيط بعيداً عن الاستقطاب الأميركي.
لكن ظهور ترتيبات دفاعية جديدة تربط السعودية وتركيا وباكستان قد يضيق هامش المناورة أمام الدبلوماسية الصينية، خصوصاً إذا تحولت الاتفاقية إلى إطار أمني يستهدف احتواء النفوذ الإيراني.
وفي حال اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران وأحد أطراف التحالف، ستجد بكين نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف تحافظ على شراكتها مع إيران، في حين تتجنب خسارة علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع السعودية وتركيا وباكستان؟
اتفاقية مكة تربط ثلاثة أنواع من القوة
تكمن أهمية الاتفاقية أيضاً في طبيعة الأطراف التي تجمعها. فهي تضع إلى جانب بعضها موارد السعودية المالية والطاقة، والقدرات الصناعية والعسكرية التركية، والخبرة العملياتية الباكستانية، بما في ذلك امتلاك إسلام آباد ترسانة نووية.
وتقوم الترتيبات الدفاعية على مبدأ مفاده أن الاعتداء المسلح على طرف من الأطراف يُعامل باعتباره اعتداءً على الأطراف الأخرى، ما يمنح الاتفاقية بعداً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي.
ومن منظور بكين، فإن نشوء كتلة دفاعية إقليمية بهذا الحجم قد يفتح الباب أمام نموذج جديد للأمن في الشرق الأوسط، لا يعتمد بصورة كاملة على مظلة قوة عظمى خارج المنطقة.
وهذا تحديداً ما قد يجذب الصين إلى الاتفاقية، وفي الوقت نفسه يجعلها حذرة من تداعياتها.
منافسة صامتة على سوق السلاح
لا تقتصر المخاوف الصينية على الجغرافيا السياسية والطاقة. فتركيا، التي تسعى إلى توسيع حضورها في صناعة الدفاع وتطوير صادراتها العسكرية، باتت منافساً متزايداً للصين في عدد من الأسواق.
وتبرز المنافسة بصورة خاصة في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة والصناعات الدفاعية المتقدمة، وهي قطاعات حققت فيها الصين حضوراً واسعاً في الشرق الأوسط وآسيا.
كما أن توسع التعاون العسكري التركي مع السعودية وباكستان يمكن أن يفتح سوقاً أكبر للصناعات الدفاعية التركية، في مناطق كانت المنتجات الصينية تتمتع فيها بموقع قوي.
وبالتالي، فإن الاتفاقية قد لا تنتج فقط ترتيبات أمنية جديدة، بل يمكن أن تعيد رسم خريطة سوق السلاح في المنطقة، بما يضع الصناعات الدفاعية الصينية أمام منافس إقليمي أكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق الخليجية والآسيوية.
أنقرة تفرض على بكين حسابات إضافية
يمثل الدور التركي المتزايد عاملاً آخر في الحسابات الصينية. فأنقرة لا تتحرك فقط باعتبارها عضواً في حلف شمال الأطلسي، بل تحاول خلال السنوات الأخيرة بناء نفوذ مستقل في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا.
وهذا التوسع يثير اهتمام بكين، خصوصاً مع وجود تقاطعات جغرافية وسياسية بين المجالين التركي والصيني في آسيا الوسطى والمناطق الواقعة غرب الصين.
ومن ثم، فإن تعزيز الشراكة العسكرية بين تركيا وباكستان والسعودية قد يمنح أنقرة شبكة نفوذ أوسع، وهو تطور لا تستطيع بكين تجاهله، حتى وإن لم يتحول التحالف إلى مشروع موجه ضدها.
بكين قد تضطر إلى الانتقال من الاقتصاد إلى الأمن
ويرى باحثون أن اتفاقية مكة تفرض على الصين إعادة النظر في استراتيجيتها تجاه الشرق الأوسط، لأن المرحلة المقبلة قد تتطلب من بكين تجاوز دورها الاقتصادي التقليدي نحو دور دبلوماسي وأمني أكثر نشاطاً، يسمح لها بالتأثير في القرارات التي تمس مصالحها التجارية وأمن إمدادات الطاقة.
ويعتقد الباحثون أن اتساع التحالفات الدفاعية الإقليمية سيجعل الصين أكثر حذراً تجاه النزاعات العسكرية في المنطقة، وقد يدفعها إلى تكثيف جهود الوساطة واحتواء الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات مباشرة.
لكن هذا التحول، وفق يانغ، لا يعني التخلي عن البعد الاقتصادي. فعلى العكس، ترى بكين أن استمرار استثماراتها ومشاريعها ضمن مبادرة «الحزام والطريق» يمثل إحدى أدوات تعزيز نفوذها، لأن زيادة الترابط الاقتصادي تمنح الصين مصلحة أكبر في الحفاظ على استقرار الدول التي ترتبط بها.
نهاية المظلة الأميركية؟ فرصة للصين... ولكن
من منظور صيني، يحمل التحالف الثلاثي جانباً إيجابياً لا يمكن تجاهله: فهو يعكس رغبة قوى إقليمية في بناء ترتيبات أمنية لا تعتمد بالكامل على الولايات المتحدة.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يتوافق مع الرؤية الصينية لنظام دولي متعدد الأقطاب، خصوصاً إذا أدى إلى تراجع الدور الأميركي المباشر في إدارة أمن الشرق الأوسط.
فبالنسبة إلى بكين، فإن انتقال بعض حلفاء واشنطن التقليديين إلى ترتيبات أمنية أكثر استقلالاً يمكن أن يعني عملياً تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض قواعد الأمن الإقليمي بمفردها.
لكن بكين تدرك في الوقت نفسه أن الفراغ الأمني الأميركي لا يعني بالضرورة انتقال النفوذ تلقائياً إلى الصين. فقد تملأه قوى إقليمية أخرى، وفي مقدمتها تركيا والسعودية، بما قد ينتج نظاماً متعدد الأقطاب لكنه أكثر تنافساً وأقل قابلية للضبط.
الصين تريد الاستفادة من التحالف من دون الانضمام إليه
وتعكس التحالفات الدفاعية الإقليمية تنامي مخاوف الدول من مستقبل المظلة الأمنية الأميركية، لأن وجود دول تتمتع بعلاقات قوية مع الصين، مثل السعودية وباكستان، داخل ترتيبات أمنية جديدة يمنح بكين فرصة للحفاظ على حضور غير مباشر في هذه الشراكات، بما في ذلك مجالات التعاون العسكري وصفقات السلاح والتدريب.
وبحسب هذا التقدير، فإن تراجع الاعتماد على الولايات المتحدة يمكن أن يمنح الصين فرصة لتوسيع نفوذها العسكري والسياسي، وتعزيز التعاون مع شركائها الإقليميين، بالتوازي مع تطوير قدراتها العسكرية الخاصة.
لكن هذه الفرصة تبقى مشروطة بألا يتحول التحالف إلى كتلة أمنية تستهدف الصين أو إيران بصورة مباشرة.
الموقف الصيني: دعم حذر وخطوط حمراء واضحة
من المتوقع، وفق تقديرات إعلامية صينية، أن تحافظ بكين على موقف براغماتي من اتفاقية مكة، وأن تدعم من حيث المبدأ فكرة تولي دول المنطقة مسؤولية أمنها بعيداً عن التدخلات الخارجية.
لكن الدعم الصيني لن يكون بلا حدود. فالمصلحة الأساسية لبكين تكمن في منع التحالف من التحول إلى محور عسكري صدامي مع إيران، لأن اندلاع مواجهة واسعة سيهدد استقرار الخليج والبحر الأحمر، ويرفع مخاطر اضطراب إمدادات الطاقة والتجارة الدولية.
كما أن أي صراع إقليمي واسع سيضع الصين أمام اختبار اقتصادي وأمني، وقد يجبرها على اتخاذ مواقف أكثر انخراطاً مما تفضله في الشرق الأوسط.
لذلك، من المرجح أن تتحرك الدبلوماسية الصينية على مسارين متوازيين: الترحيب بأي ترتيبات تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه محاولة منع هذه الترتيبات من التحول إلى تحالفات صدامية.. حسب مراقبين
اتفاقية مكة تختبر حدود النفوذ الصيني
لا تبدو اتفاقية مكة بالنسبة إلى الصين خبراً إيجابياً أو سلبياً بصورة مطلقة. فهي من جهة تتوافق مع هدف بكين الاستراتيجي في إضعاف احتكار الولايات المتحدة للأمن العالمي، وتعزيز تعدد الأقطاب، ودفع الدول إلى بناء ترتيبات أمنية مستقلة. لكنها من جهة أخرى قد تخلق واقعاً إقليمياً أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تحولت إلى نواة لتحالف أمني قادر على إعادة رسم موازين القوى في الخليج والشرق الأوسط.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام بكين لن يكون في تحديد ما إذا كانت تؤيد الاتفاقية أو تعارضها، بل في الحفاظ على قدرتها على المناورة بين السعودية وإيران وتركيا وباكستان، من دون أن تتحول المنافسة الإقليمية إلى صراع يجبرها على اختيار أحد معسكراته.
وبالنسبة إلى الصين، قد يكون هذا هو الاختبار الأصعب: الاستفادة من تراجع المظلة الأميركية، من دون أن تتحمل في المقابل تكلفة الفوضى التي قد تنشأ عن هذا التراجع.
