- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- إيران تغيّر تكتيكاتها في هرمز وتوسّع نطاق استهداف السفن مع تصاعد المخاطر على الملاحة التجارية
إيران تغيّر تكتيكاتها في هرمز وتوسّع نطاق استهداف السفن مع تصاعد المخاطر على الملاحة التجارية
طهران تراهن على اضطراب أسواق الطاقة للضغط على ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي، وواشنطن تتحدث عن تراجع القدرات البحرية الإيرانية

تتجه المواجهة بين إيران والولايات المتحدة في مضيق هرمز إلى مرحلة جديدة، مع اعتماد طهران أساليب مختلفة لاستهداف السفن التي تعتبرها مخالفة لقيودها، وتوسيع نطاق عملياتها المحتمل إلى مناطق خارج المضيق. ووفق مسؤولين إيرانيين نقلت عنهم وكالة «رويترز»، لا تقتصر أهداف الاستراتيجية الجديدة على فرض قيود على حركة الملاحة، بل تشمل إبقاء أسعار النفط مرتفعة والتأثير في حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر.
وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه إيران إلى تحويل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى ورقة ضغط اقتصادية وسياسية على واشنطن. فمنذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، أدت التهديدات والهجمات إلى تراجع حركة الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة، رغم استمرار عبور بعض الشحنات.
تكتيكات جديدة بعد تضرر القدرات العسكرية
قال مسؤولان إيرانيان كبيران لـ«رويترز» إن طهران بدأت قبل نحو عشرة أيام تغيير أساليب الهجوم على السفن التي ترى أنها تخالف القيود المفروضة على الملاحة، مع تعديل نوع الهجمات ووتيرتها. وأوضحا أن القرار اتُّخذ على أعلى مستويات القيادة الإيرانية، وجرى تنسيقه بين مؤسسات النظام، مشيرين إلى أن أحد أهدافه إحباط الجهود الأميركية وحلفائها لخفض أسعار النفط العالمية.
وفي المقابل، أفاد مسؤول عسكري أميركي للوكالة بأن الحرس الثوري بدأ الاستعانة بمراقبين غير مسلحين على متن قوارب صغيرة لرصد الأهداف المحتملة، بما فيها سفن تابعة للبحرية الأميركية، بعد تدمير الولايات المتحدة معظم قدرات الرادارات الإيرانية، وفق روايته.
وكشف المسؤول عن واقعة حدثت الأسبوع الماضي، قال إن القوات الأميركية رصدت خلالها مراقبين إيرانيين على متن مركب شراعي ينقلون معلومات عن الأهداف إلى الحرس الثوري. وأضاف أن القوات الأميركية واجهت المركب، وأمرت من كانوا على متنه بمغادرته، ثم دمرته من دون وقوع خسائر بشرية.
وتعكس هذه الرواية، إذا صحت، محاولة إيرانية للتكيف مع تراجع قدراتها البحرية والرادارية عبر وسائل رصد أقل كلفة وأكثر صعوبة في الاستهداف المباشر. لكن المسؤول الأميركي قال إن طهران، التي لا ترغب في تعريض ما تبقى لديها من زوارق سريعة للخطر، لم تتمكن من منع زيادة صادرات النفط عبر المضيق، ولا سيما بعد الضربات التي استهدفت قواتها البحرية.
تصعيد ميداني وسجال بشأن السيطرة على المضيق
تزامن الحديث عن تغيير التكتيكات مع مؤشرات على زيادة الهجمات ضد السفن التجارية. ووفق تحليل أوردته «رويترز»، استناداً إلى بيانات من مصادر في قطاع الأمن البحري ووقائع أعلنتها هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، سُجلت خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية خمس وقائع على الأقل طالت ناقلات وسفناً تجارية أخرى في محيط المضيق، بينها هجمات بطائرات مسيّرة.
وقالت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة إن وتيرة هذه الوقائع تقارب المستوى المسجل بين الثالث والخامس من تشرين الأول/أكتوبر. ونقل التقرير عن مصدر في قطاع الأمن البحري قوله إن الهجمات تشهد زيادة تبدو متعمدة، في إشارة إلى احتمال أن يكون التصعيد جزءاً من استراتيجية أوسع للضغط على الملاحة وأسواق الطاقة.
وفي موازاة ذلك، احتدم السجال بين القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» والحرس الثوري بشأن الجهة التي تفرض سيطرتها الفعلية على المضيق. فقد ردت «سنتكوم»، في منشور مساء أمس، على تصريحات لقائد القوات البحرية في الحرس الثوري علي عظمائي، ووصفتها بأنها ادعاءات، قائلة إن قائد القوات البحرية الإيرانية لا يمتلك قوة بحرية فعلية، وإن القوات الأميركية وشركاءها الإقليميين يسيطرون بوضوح على المضيق.
وأضافت القيادة الأميركية أنها ساعدت شركاءها الخليجيين، يوم الاثنين، في شحن أكثر من 19 مليون برميل من النفط الخام عبر المضيق. وتأتي هذه التصريحات في سياق سعي واشنطن إلى إظهار استمرار حركة الصادرات رغم التهديدات الإيرانية، فيما تحاول طهران تكريس صورة مغايرة تقوم على قدرتها على تعطيل الملاحة وفرض كلفة اقتصادية على خصومها.
وكان عظمائي قد قال، في أول مقابلة تلفزيونية له نقلتها وكالة «تسنيم» الإيرانية، إن الولايات المتحدة لا تستطيع التعامل مع مضيق هرمز باعتباره مفتوحاً أمامها، مهدداً بإغراق سفنها الحربية. كما زعم أن حاملة طائرات أميركية تبلغ قيمتها 13 مليار دولار ابتعدت نحو 700 كيلومتر عن المضيق لأنها لا تجرؤ على الاقتراب منه، واتهم واشنطن وحلفاءها بفرض تعتيم إعلامي على ما وصفه بمعاقبة السفن المخالفة.
من مضيق هرمز إلى خليج عُمان
لا يقتصر التغيير الذي تتحدث عنه طهران على أساليب الهجوم، بل يشمل أيضاً توسيع النطاق الجغرافي للعمليات. وقال المسؤولان الإيرانيان إن الاستراتيجية الجديدة ستتجاوز مضيق هرمز لتشمل خليج عُمان ومياهاً أبعد، فيما تشير تحليلات لمصادر في قطاع الأمن البحري، استناداً إلى بلاغات السفن وشركات الأمن العاملة في المنطقة، إلى أن استهداف سفن خارج المضيق ربما بدأ بالفعل.
وقال أحد المسؤولين الإيرانيين إن طهران لن تسمح لترامب بخفض أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي، مضيفاً أن إيران ستعمل على إبعاد واشنطن عن أي نقطة تقترب فيها الأسعار من الانخفاض. ووصف المواجهة بأنها «لعبة شطرنج»، محذراً من أن السفن المستهدفة لن تكون آمنة حتى خارج مضيق هرمز.
كما قال المسؤولان إن إيران تتجه نحو منع أي سفينة تخالف قيودها من المرور، وإن إغلاقاً كاملاً قد يحدث قريباً. غير أن هذه التصريحات تبقى جزءاً من الرسائل الإيرانية في سياق المواجهة، ولا تعني بحد ذاتها أن طهران باتت قادرة على فرض إغلاق شامل ومستمر للممر المائي.
وفي أحدث تقرير له، الأحد، صنّف مركز المعلومات البحرية المشترك، الذي تقوده البحرية الأميركية، التهديد الذي تواجهه السفن التجارية في المضيق بأنه «شديد»، وهو ثاني أعلى مستوى في تصنيفه. وأشار إلى استمرار هجمات الحرس الثوري ومحاولاته شن هجمات ومضايقة السفن، بما يشمل تحليق الطائرات المسيّرة ومراقبة السفن التجارية والاتصال بها عبر الترددات اللاسلكية.
النفط والانتخابات في قلب الحسابات الأميركية
يتداخل التصعيد البحري مع حسابات سياسية أميركية داخلية، إذ أصبحت الحرب أحد المحاور الرئيسية في الحملات المرتبطة بانتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، التي ستحدد الحزب المسيطر على الكونغرس. ويأتي ذلك فيما يدرس ترامب خطواته المقبلة تجاه إيران، بعدما قال إنه لن يشن هجوماً جديداً قبل الانتخابات، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية وتوسيع العقوبات في محاولة لزيادة الضغط الاقتصادي على طهران ودفعها إلى اتفاق ينهي الحرب.
وتراهن إيران، وفق المسؤولين اللذين تحدثا إلى «رويترز»، على أن استمرار اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين سيصعّبان على الإدارة الأميركية احتواء أسعار الطاقة. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر متبادلة: فكلما اتسع نطاق الهجمات، ازدادت احتمالات تعرّض السفن التجارية للخطر، وارتفعت كلفة التأمين والنقل، وتفاقمت الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
وبذلك، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تتنافس الأطراف على تأمينه أو تعطيله، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها المواجهة العسكرية مع الضغط الاقتصادي والحسابات الانتخابية. وفي حين تحاول واشنطن إظهار أن تدمير أجزاء واسعة من القدرات البحرية الإيرانية لم يمنع استمرار الصادرات، تسعى طهران إلى إثبات أن بإمكانها إدامة التهديد للملاحة حتى مع تراجع قدراتها التقليدية.
