- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- المعارضة التونسية توسّع حراكها ضد سعيّد إلى المحافظات
المعارضة التونسية توسّع حراكها ضد سعيّد إلى المحافظات
تسع منظمات ونقابات تسعى لبناء جبهة مدنية واسعة.. والاحتجاجات الجهوية تستهدف توحيد القوى وتجاوز الانقسامات

تتجه القوى المدنية والنقابية والحقوقية في تونس إلى توسيع تحركاتها الاحتجاجية ضد الرئيس قيس سعيّد، عبر نقل الحراك من العاصمة إلى المحافظات، وإقامة تنسيقيات جهوية تمهد لسلسلة من الاحتجاجات المحلية والوطنية خلال الأسابيع المقبلة. وتأتي هذه الخطوة امتداداً لمسيرة 17 أكتوبر الماضي، التي جمعت طيفاً واسعاً من المنظمات الوطنية والأحزاب والشخصيات السياسية، في محاولة لإعادة بناء جبهة معارضة مشتركة في مواجهة الحكم الفردي وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتضم التنسيقية الوطنية تسع منظمات ونقابات، في مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين، إلى جانب مكونات مدنية وحقوقية أخرى. وتسعى هذه القوى إلى تحويل الزخم الاحتجاجي في العاصمة إلى تحرك ميداني منظم يمتد إلى مختلف المحافظات، تحت شعار «من أجل تونس والتونسيين».
من احتجاج العاصمة إلى تعبئة جهوية
وأعلنت المنظمات المشاركة، في بيان صدر الجمعة الماضي، أن المرحلة المقبلة ستشهد تشكيل تنسيقيات جهوية تعمل على توسيع المشاركة المدنية، وإعداد تحركات سلمية تتناول القضايا المحلية والوطنية، بما يشمل الحقوق والحريات والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وتهدف التنسيقيات، بحسب البيان، إلى تجاوز حالة التشتت بين القوى المدنية والاجتماعية، وفتح المجال أمام الحوار والتشاور مع الفاعلين المحليين، وتحديد أبرز المشكلات التي تواجه كل محافظة، وصولاً إلى بناء تحرك مشترك يستند إلى مطالب اجتماعية وسياسية واسعة.
ويرى مراقبون أن أهمية هذه المبادرة تكمن في محاولة إعادة تنظيم المعارضة التونسية خارج الأطر الحزبية التقليدية، والاستفادة من الثقل الاجتماعي والنقابي للاتحاد العام التونسي للشغل، بما قد يسمح باستقطاب شرائح لا تنتمي بالضرورة إلى الأحزاب السياسية، لكنها متضررة من تراجع الأوضاع المعيشية وتضييق المجال العام.
وقال الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري وسام الصغير إن المبادرة تأتي في ظل تصاعد الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتزايد القيود على الحقوق والحريات، الأمر الذي يفرض توحيد الجهود وتجاوز الانقسامات.
وأضاف أن مسيرة 17 أكتوبر ينبغي أن تكون نقطة انطلاق لتحرك مستمر، لا مجرد محطة احتجاجية منفصلة، معتبراً أن استعادة الاتحاد التونسي للشغل دوره الوطني والتاريخي تمثل عنصراً أساسياً في الدفاع عن الديمقراطية والحريات والقضايا الاجتماعية.
وبحسب الصغير، فإن تشكيل التنسيقيات الجهوية قد يحول الاحتجاجات المركزية إلى حركة جماعية أكثر تنظيماً واستمرارية، قادرة على مواجهة ما وصفه بالاستبداد والتنكيل والفشل الاقتصادي والاجتماعي، وإعادة طرح مسار التغيير الديمقراطي.
الاتحاد التونسي للشغل في قلب المعادلة
ويبرز الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه أحد أبرز الأطراف القادرة على توفير قاعدة اجتماعية واسعة للحراك، في ظل تراجع قدرة الأحزاب على استقطاب المواطنين وتزايد حالة الاحتقان الشعبي.
ويرى محللون أن الرهان على الاتحاد لا يرتبط فقط بثقله النقابي، بل أيضاً بمكانته التاريخية في الحياة السياسية التونسية، وقدرته على الجمع بين المطالب الاجتماعية والاقتصادية والقضايا الديمقراطية.
وفي هذا السياق، قال القيادي في حركة النهضة محسن السوداني إن تشكيل التنسيقيات الجهوية يعكس توجهاً نحو إشراك المواطنين في المحافظات في مواجهة تدهور الأوضاع العامة، مشيراً إلى أن المنظمات الوطنية تمتلك قدرة أكبر من الأحزاب على توفير إطار جامع للمشاركة.
وأضاف أن حالة الغضب الشعبي لا تزال، رغم اتساعها، غير منظمة سياسياً أو اجتماعياً بصورة كافية، ما يجعل التنسيقيات فرصة لتحويل الاحتقان إلى تحرك جماعي منظم.
وشدد السوداني على أن نجاح المبادرة يتوقف على تبني خطاب متوازن يتجاوز الاصطفافات الحزبية والإيديولوجية، والانفتاح على مختلف القوى السياسية والمدنية والاجتماعية. واعتبر أن مشاركة شخصيات وأحزاب كانت سابقاً مؤيدة لمسار سعيّد في مسيرة أكتوبر تمثل مؤشراً على اتساع دائرة المعارضة وتراجع قدرة السلطة على الاحتفاظ بقاعدة دعم متماسكة.
احتجاجات جديدة في العاصمة والمحافظات
وفي موازاة التحركات الجهوية، تستعد القوى المشاركة لمواصلة الاحتجاجات في تونس العاصمة خلال نوفمبر وديسمبر، بما يشير إلى أن توسيع الحراك إلى المحافظات لا يعني التخلي عن مركز الثقل الاحتجاجي في العاصمة.
وقال حسام الحامي، عضو حراك «نفس»، إن مسيرة 17 أكتوبر تمثل محطة مهمة في مسار احتجاجي بدأ منذ إجراءات 25 يوليو 2021، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع المشاركة لتشمل المحافظات.
وأشار إلى أن الهدف يتمثل في تقييم حصيلة سنوات الحكم الفردي، الذي اتسم بتوسيع صلاحيات الرئيس، دون تحقيق نتائج ملموسة في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وفق تقديره.
ويأتي هذا التحرك في مواجهة دعوات أنصار سعيّد إلى تنظيم مسيرة مؤيدة للرئيس في العاصمة، كان مقرراً إقامتها الأحد الماضي، قبل الإعلان عن تأجيلها إلى 17 ديسمبر المقبل، بالتزامن مع ذكرى الثورة التونسية.
ويرى مراقبون أن تحديد موعد جديد للمسيرة المؤيدة للرئيس يعكس استمرار التنافس على الشارع التونسي، في وقت تسعى فيه المعارضة إلى إثبات قدرتها على التعبئة خارج نطاق الأحزاب، وتوسيع حضورها في المناطق الداخلية التي تشكل مركزاً أساسياً للأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
من الحقوق والحريات إلى الأزمة المعيشية
ولا تقتصر أهداف التنسيقيات الجديدة على المطالب السياسية، إذ تؤكد المنظمات المشاركة وجود ارتباط مباشر بين تراجع الحريات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بما يشمل ضعف القدرة الشرائية، وأزمات الخدمات العامة، وتزايد الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة.
وقال الأمين العام لاتحاد المعطلين عن العمل شريف الخرايفي إن المبادرة لم تُطرح منذ البداية باعتبارها إطاراً لتنظيم مسيرة واحدة، بل مشروعاً لبناء قوة مدنية ذات امتداد شعبي في المحافظات، قادرة على الضغط في مختلف الملفات.
وأوضح أن التنسيقيات الجهوية ستعمل على تنظيم التحركات المحلية، وطرح القضايا الاجتماعية والاقتصادية ضمن مطالب وطنية أوسع، مؤكداً أن المطالبة بحرية التعبير والتنظيم لا تنفصل عن الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار إلى أن مشاورات بدأت في عدد من المحافظات لتشكيل النوى الأولى للتنسيقيات، مع توجه لتعميم التجربة خلال المرحلة المقبلة.
اختبار قدرة المعارضة على بناء جبهة مشتركة
ويرى محللون أن انتقال الحراك إلى المحافظات يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة القوى المعارضة على تجاوز خلافاتها السياسية والإيديولوجية، وبناء إطار مدني قادر على الاستمرار، بدلاً من الاكتفاء بتحركات احتجاجية متقطعة في العاصمة.
كما أن توسيع المشاركة لتشمل النقابات والمنظمات الحقوقية والشخصيات المستقلة قد يمنح الحراك قاعدة أوسع من تلك التي توفرها الأحزاب، خصوصاً في ظل تزايد الضغوط المعيشية وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية.
لكن نجاح هذه المبادرة سيظل مرتبطاً بقدرة المنظمات على الحفاظ على وحدة خطابها، وتجنب الانقسامات الداخلية، وتحويل المطالب العامة إلى برنامج واضح يستجيب لاحتياجات المواطنين في المحافظات.
وفي ظل استمرار الخلاف بين السلطة ومعارضيها بشأن مستقبل النظام السياسي، تبدو التنسيقيات الجهوية محاولة لإعادة تشكيل المعارضة التونسية من القاعدة، ونقل المواجهة من مستوى الصراع بين الأحزاب والرئاسة إلى مساحة أوسع من التعبئة المدنية والاجتماعية.
وبينما لا تزال نتائج هذه الخطوة غير محسومة، فإن اتساع الحراك جغرافياً وتنظيمياً قد يفتح مرحلة جديدة من الضغط على سعيّد، خصوصاً إذا نجحت القوى المدنية في تحويل الاحتجاجات إلى حركة مستمرة تتجاوز حدود العاصمة والانقسامات السياسية التقليدية.
