- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- من ليبيا إلى شرق المتوسط.. كيف تعيد القاهرة وأنقرة صياغة المصالح المشتركة؟
من ليبيا إلى شرق المتوسط.. كيف تعيد القاهرة وأنقرة صياغة المصالح المشتركة؟
التعاون الاقتصادي والدفاعي بين البلدين يتوسع وسط تحولات إقليمية متسارعة، فيما تراقب واشنطن وتل أبيب بحذر مسار العلاقة الجديدة بين القوتين الإقليميتين.


تشهد العلاقات المصرية التركية خلال الفترة الأخيرة تحولًا لافتًا، يرى مراقبون أنه يتجاوز حدود المصالحة الدبلوماسية التقليدية، ليدخل في إطار إعادة صياغة التوازنات الإقليمية في منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا وتعقيدًا.
فبعد سنوات من التوتر السياسي الحاد، تبدو القاهرة وأنقرة اليوم أقرب إلى تبني مقاربة براغماتية تقوم على إدارة المصالح المشتركة، في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها حرب غزة، والتوترات في البحر الأحمر، والأزمات الممتدة في ليبيا والسودان وشرق المتوسط، إلى جانب تداعيات المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران.
ويرى محللون أن أهمية هذا التقارب لا ترتبط فقط بكونه تقاربًا بين قوتين إقليميتين كبيرتين، بل بتوقيته أيضًا، إذ يأتي في مرحلة تعيد فيها دول المنطقة مراجعة حساباتها وتحالفاتها، بحثًا عن هوامش أوسع للحركة والتأثير بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية.
من الخصومة إلى إدارة المصالح
ويعتبر مراقبون أن القاهرة وأنقرة أدركتا خلال السنوات الأخيرة أن استمرار القطيعة السياسية يستنزف الطرفين، خصوصًا في ملفات ترتبط مباشرة بالأمن القومي لكليهما، مثل ليبيا وشرق المتوسط والبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة الجديدة أقرب إلى "تقارب الضرورة" منها إلى تحالف كامل، إذ لا تزال هناك تباينات في بعض الملفات، غير أن الطرفين باتا أكثر ميلًا لإدارة الخلافات بدلًا من تحويلها إلى صدام مفتوح.
ويشير متابعون إلى أن مصر تنظر إلى تركيا باعتبارها لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاهله، خاصة مع تنامي نفوذها العسكري والاقتصادي، فيما تدرك أنقرة أن القاهرة تمثل مركز ثقل عربي وإفريقي ومتوسطي يصعب تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.
الاقتصاد بوابة التقارب
ويرى خبراء أن الاقتصاد يشكل أحد أبرز دوافع الانفتاح بين البلدين، في ظل حاجة تركيا إلى توسيع أسواقها الخارجية، وسعي مصر إلى جذب استثمارات جديدة وتطوير قطاعات التصنيع والتصدير.
ويعتقد مراقبون أن العلاقة الاقتصادية بين الجانبين مرشحة للنمو بشكل كبير، خاصة مع ما تملكه تركيا من خبرات صناعية متقدمة، وما تمثله السوق المصرية من بوابة مهمة نحو إفريقيا والعالم العربي.
ولا يقتصر الأمر، وفق تقديرات اقتصادية، على التبادل التجاري، بل يمتد إلى مشاريع استثمارية وتصنيعية مشتركة قد تسهم في خلق فرص عمل وتوسيع قاعدة الإنتاج في البلدين.
شرق المتوسط.. من التنافس إلى التفاهم الحذر
ويعد ملف شرق المتوسط أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية التركية، بعدما تحول خلال السنوات الماضية إلى ساحة تنافس إقليمي حاد.
غير أن مراقبين يرون أن استمرار التباعد بين القاهرة وأنقرة منح أطرافًا أخرى، مثل اليونان وقبرص وإسرائيل، مساحة أوسع لتعزيز نفوذها في المنطقة، وهو ما يدفع البلدين اليوم إلى البحث عن صيغ أكثر مرونة لإدارة هذا الملف.
ومع ذلك، يعتقد متابعون أن أي تفاهمات في شرق المتوسط ستظل محكومة بحسابات معقدة، نظرًا لتشابك المصالح الإقليمية والدولية في هذا الملف الحيوي.
تعاون دفاعي يتوسع
ولم يعد التقارب مقتصرًا على المستويين السياسي والاقتصادي، بل امتد إلى المجال الدفاعي، في خطوة يراها مراقبون مؤشرًا على انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر عمقًا.
وفي هذا الإطار، استأنف البلدان مناوراتهما البحرية المشتركة في شرق المتوسط بعد توقف دام أكثر من 13 عامًا، فيما تحدثت تقارير عن اهتمام مصري متزايد بعدد من الصناعات الدفاعية التركية، بينها الطائرات المسيّرة والأنظمة الصاروخية المتطورة.
كما شهدت العلاقات الدفاعية تطورًا لافتًا مع الحديث عن تعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، إضافة إلى تقارير أشارت إلى انضمام مصر إلى برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس "KAAN".
ويرى محللون أن هذا التعاون يعكس رغبة متبادلة في تنويع مصادر التسليح وتطوير القدرات الذاتية، بما قد يترك انعكاسات مهمة على موازين القوة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
قلق أميركي إسرائيلي
ويبدو أن هذا التقارب لا يمر دون إثارة مخاوف في واشنطن وتل أبيب، إذ يرى مراقبون أن أي تنسيق مستقر بين القاهرة وأنقرة قد يعيد تشكيل بعض التوازنات الإقليمية، خصوصًا في ملفات غزة وشرق المتوسط والبحر الأحمر.
ويعتقد متابعون أن الولايات المتحدة تنظر بحذر إلى احتمال تشكل هامش إقليمي أكثر استقلالًا عن الإيقاع الأميركي التقليدي، فيما تخشى إسرائيل من تقلص المساحات التي استفادت منها خلال سنوات التباعد بين القوى الإقليمية الكبرى.
ومع ذلك، يستبعد محللون أن يتحول هذا التقارب في المدى المنظور إلى محور مناهض للولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة أن مصر وتركيا لا تزالان ترتبطان بعلاقات استراتيجية مع واشنطن.
اختبار الشراكة
التقارب المصري التركي يمثل محاولة لإعادة بناء توازن إقليمي أكثر مرونة وبراغماتية، لكنه لا يزال في مرحلة الاختبار، وسط تحديات تتعلق بإرث الخلافات القديمة وتشابك الملفات الإقليمية الحساسة.
ويبقى السؤال، وفق تقديرات سياسية، حول ما إذا كانت القاهرة وأنقرة قادرتين على تحويل "تقارب الضرورة" إلى شراكة استراتيجية مستدامة، أم أن ضغوط الخارج وحسابات الماضي ستبقي العلاقة ضمن حدود التنسيق الحذر دون الوصول إلى تحالف كامل.