- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- الضفة الغربية بعد ثلاث سنوات من حرب غزة.. الضم الإسرائيلي يتقدم عبر خطوات متراكمة
الضفة الغربية بعد ثلاث سنوات من حرب غزة.. الضم الإسرائيلي يتقدم عبر خطوات متراكمة
نقل الصلاحيات المدنية إلى مؤسسات حكومية وتغيير قوانين الأراضي والاستيطان في مسار يهدف إلى ترسيخ واقع دائم دون إعلان رسمي للسيادة

بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب في غزة، يتواصل في الضفة الغربية مسار إسرائيلي تدريجي لتوسيع السيطرة المدنية والإدارية على المنطقة، عبر سلسلة من القرارات الحكومية والتشريعات والأوامر العسكرية التي تنقل أجزاء متزايدة من إدارة الضفة من المؤسسة العسكرية إلى أجهزة مدنية إسرائيلية.
ووفق ورقة بحثية عرضها المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، فإن المسألة لم تعد تتعلق بالسؤال عما إذا كانت إسرائيل ستتجه نحو ضم الضفة الغربية، وإنما بكيفية تنفيذ هذا المسار عملياً، من خلال تراكم إجراءات منفصلة تبدو في ظاهرها قانونية أو إدارية، لكنها تقود مجتمعة إلى تغيير طبيعة نظام الحكم القائم في الأراضي المحتلة.
نقل صلاحيات الضفة إلى المستوى السياسي
من أبرز الخطوات التي يرصدها البحث نقل صلاحيات تتعلق بالأراضي والتخطيط والبنية التحتية والخدمات البلدية من الإدارة العسكرية إلى أجهزة مدنية مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية.
وفي شباط/فبراير 2023، وقّع وزير الأمن الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش مذكرة تفاهم منحت الأخير صلاحيات واسعة في عدد من الملفات المدنية المتعلقة بالضفة الغربية، وأسست لما بات يعرف بـ"مديرية الاستيطان".
كما نقل قرار حكومي صدر في شباط/فبراير 2023 ملف المستوطنات إلى وزارة "النقب والجليل والحصانة القومية"، بما في ذلك ملف تنظيم البؤر الاستيطانية.
وفي آذار/مارس من العام نفسه، عدّل الكنيست قانون فك الارتباط بما سمح للمستوطنين بالعودة إلى أربع مستوطنات أخليت في شمال الضفة الغربية، هي حومش وسانور وغانيم وكاديم.
الأراضي في قلب المسار
يمثل ملف الأراضي أحد المحاور الرئيسية في مسار الضم التدريجي. فقد قرر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر في شباط/فبراير 2026 رفع السرية عن سجلات الأراضي وإلغاء قيود على عمليات شراء الأراضي من جانب الإسرائيليين.
وفي أيار/مايو 2025، قرر الكابينت استئناف إجراءات تسوية الأراضي في المناطق التي جُمدت فيها هذه العملية منذ عام 1968، مع اعتبار إجراءات التسوية التي تنفذها السلطة الفلسطينية في المنطقة "ج" غير ذات قيمة قانونية من وجهة النظر الإسرائيلية.
وتبحث إسرائيل أيضاً مشروع قانون من شأنه إلغاء قانون أردني صدر عام 1953 ويقيد بيع الأراضي للأجانب، بما قد يتيح للإسرائيليين شراء الأراضي في الضفة بصورة مباشرة.
ويرى منتقدو هذه الخطوات أن إعادة فتح ملف تسجيل الأراضي قد تتحول إلى أداة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الملكيات الفلسطينية، على غرار ما حدث في القدس الشرقية.
تشريعات جديدة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية
لا يقتصر المسار على نقل الصلاحيات أو تغيير آليات التعامل مع الأراضي، إذ يجري أيضاً الدفع بعدد من مشاريع القوانين التي تستهدف ترسيخ الوجود والمؤسسات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ومن بين هذه المشاريع قانون لإنشاء "سلطة تراث يهودا والسامرة"، تتمتع بصلاحيات في مجالات التنقيب والآثار ومصادرة الأراضي، وقد وصل المشروع إلى مرحلة القراءتين الثانية والثالثة في الكنيست.
كما يجري بحث تشريعات تهدف إلى تطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنات وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة، إلى جانب مقترحات لاستبدال مصطلح "الضفة الغربية" بتعبير "يهودا والسامرة" في وثائق رسمية إسرائيلية.
المحكمة العليا والقانون الدولي
وتأتي هذه الإجراءات رغم استمرار الجدل داخل إسرائيل وخارجها حول الوضع القانوني للضفة الغربية. ففي كانون الثاني/يناير 2026، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية التماسات ضد نقل بعض الصلاحيات إلى سموتريتش، لكنها أشارت إلى إشكالات قانونية تتعلق بإخضاع جهاز مدني لوزير من دون المرور بالقائد العسكري للمنطقة.
ويرى مراقبون أن تراكم هذه الإجراءات يؤدي عملياً إلى تحويل الاحتلال من نظام يفترض أنه مؤقت إلى بنية حكم أكثر استدامة.
ويشير المراقبون إلى أن هذه الخطوات تتعارض مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تموز/يوليو 2024، والذي اعتبر استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني وطالب بإنهاء الوجود الاستيطاني.
من الضم المعلن إلى الضم الفعلي
ويرى باحثتو أن إسرائيل باتت تتعامل مع فكرة الضم بصورة أكثر علنية، وأن تنفيذها لا يتطلب بالضرورة إصدار قرار واحد يعلن فرض السيادة على الضفة الغربية.
وبحسب هذا التقييم، فإن تغيير الصلاحيات، وإعادة تنظيم الإدارة المدنية، وتوسيع الاستيطان، وتعديل قوانين الأراضي، وتطوير مؤسسات إسرائيلية تعمل في الضفة، تشكل حلقات منفصلة في مسار واحد.
واقع يتغير خطوة بعد أخرى
لا تبدو عملية الضم في الضفة الغربية، وفق هذا الطرح، مرتبطة بقرار إسرائيلي واحد أو إعلان رسمي شامل، بل بسلسلة من الإجراءات المتراكمة التي تغير تدريجياً طبيعة إدارة الأراضي والصلاحيات والقوانين والمؤسسات العاملة فيها.
ويبقى السؤال المطروح أمام الفلسطينيين والمجتمع الدولي هو كيفية تحويل الالتزامات الدولية المتعلقة بعدم الاعتراف بالضم وعدم تقديم المساعدة له إلى إجراءات عملية، في وقت تتقدم فيه الوقائع على الأرض عبر قرارات منفصلة، قد تبدو كل واحدة منها إدارية أو تقنية، لكنها مجتمعة تعيد تشكيل الواقع في الضفة الغربية.
