- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- السويداء تكشف تبايناً أميركياً إسرائيلياً بشأن مستقبل سوريا
السويداء تكشف تبايناً أميركياً إسرائيلياً بشأن مستقبل سوريا
واشنطن تدفع نحو تفاهم أمني بين سوريا وإسرائيل.. والتحركات الإسرائيلية في الجنوب تثير تساؤلات بشأن دعم الفصائل المحلية وحدود الرهان على "الحرس الوطني"

تعود محافظة السويداء، جنوبي سورية، إلى واجهة التوتر الإقليمي، مع استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية وتصاعد الحديث عن احتمال تحرك فصائل «الحرس الوطني» في الريف الغربي للمحافظة، وسط اتهامات بتلقيها دعماً من تل أبيب. وفي المقابل، جاءت تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق توم برّاك، التي نفى فيها وجود دعم أميركي للشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الروحية للدروز في سورية، لتسلط الضوء على تباين محتمل بين واشنطن وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن إدارة الملف السوري، وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه الجماعات المسلحة المحلية في مستقبل الجنوب.
إغلاق الطرق وتصاعد التوتر الميداني
وأُغلقت حركة المرور على طريق السويداء- دمشق، السبت، عقب إغلاق حاجز أم الزيتون التابع لقوات «الحرس الوطني»، ومنع مرور المدنيين والمسافرين والطلاب، وفق مديرية إعلام السويداء، التي اتهمت المجموعات المسيطرة على الحاجز بتعطيل حركة المواطنين بصورة كاملة.
ولا يُعد إغلاق الطريق تطوراً جديداً، إذ سبق لهذه المجموعات أن أغلقت المعبر في مناسبات عدة، بينها فترات امتحانات الشهادتين الثانوية والإعدادية، ما أعاق تنقل الطلاب بين المحافظتين.
ويتزامن ذلك مع تقارير عن محاولات تسلل وهجمات نفذتها مجموعات تابعة لـ«الحرس الوطني» في ريف السويداء الغربي خلال الأيام الماضية، من دون تحقيق تقدم ميداني حاسم. وفي الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، سيطرت فصائل تابعة للتشكيل على قرية وقم، عقب هجوم انطلق من بلدة عريقة، قبل أن تنسحب منها بعد ساعات.
وتأتي هذه التحركات وسط تقارير عن تعزيزات للقوات الحكومية السورية في محيط السويداء، ومعلومات متداولة عن مساعٍ إسرائيلية لتعزيز قدرات مجموعات مسلحة محلية. غير أن طبيعة الدعم المزعوم، ومدى ارتباطه بخطط عسكرية وشيكة، لا يزالان غير محسومين.
برّاك ينفي الدعم الأميركي للهجري
في هذا السياق، نفى برّاك وجود دعم أميركي للشيخ حكمت الهجري، محذراً من استغلال الاعتقاد بوجود دعم إسرائيلي وتوافق مع واشنطن لتبرير ممارسات تستهدف دروزاً آخرين. وأكد في الوقت نفسه أن التوصل إلى تفاهم بين سورية وإسرائيل لا يزال ممكناً.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية في ظل محاولات واشنطن دفع دمشق وتل أبيب نحو تفاهم أمني يحد من احتمالات المواجهة، في وقت تواصل فيه إسرائيل تحركاتها العسكرية في الجنوب السوري وتتمسك بمطالب أمنية تتعلق بالمنطقة المحاذية للجولان المحتل.
ويرى مراقبون أن الموقف الأميركي يعكس تحفظاً على تحويل الملف الدرزي إلى مدخل لدعم قوى مسلحة تعمل خارج سلطة الحكومة السورية، خصوصاً إذا أدى ذلك إلى تقويض فرص التوصل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب.
وفي المقابل، يُنظر إلى المقاربة الإسرائيلية باعتبارها أكثر ارتباطاً بالسعي إلى فرض وقائع ميدانية تمنح تل أبيب نفوذاً إضافياً في الجنوب السوري، وتتيح لها الاحتفاظ بحرية التحرك الأمني والعسكري، سواء جرى التوصل إلى اتفاق مع دمشق أم استمرت الخلافات بين الجانبين.
حسابات نتنياهو بين الأمن والانتخابات
ولا تنفصل التطورات في السويداء عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، مع اقتراب الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر. ويرى محللون أن خطاب حماية الدروز في سورية يمكن أن يشكل أداة سياسية لنتنياهو، الذي يسعى إلى تعزيز صورته بوصفه ضامناً لأمن إسرائيل وحلفائها، بما في ذلك استقطاب أصوات من المواطنين الدروز داخل إسرائيل.
لكن البعد الانتخابي، وفق هذه القراءة، لا يفسر وحده التحركات الإسرائيلية. إذ ترتبط حسابات تل أبيب أيضاً بمستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود الشمالية، ورغبتها في منع نشوء واقع سوري جديد قد يحد من قدرتها على التدخل أو يغير موازين القوى الإقليمية.
ويشير محللون إلى أن إسرائيل تسعى إلى الاحتفاظ بمواقع ونقاط مراقبة وإنذار مبكر قرب الجولان المحتل، بما يتيح لها متابعة التطورات داخل سورية والاستعداد لأي تهديدات محتملة. كما تخشى، وفق هذه التقديرات، أن يؤدي استقرار الدولة السورية واستعادة دورها الإقليمي والاقتصادي إلى تغيير البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
وفي هذا الإطار، قد يشكل تعزيز نفوذ القوى المحلية المسلحة إحدى أوراق الضغط التي تستطيع إسرائيل استخدامها في أي مفاوضات مستقبلية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود التزام طويل الأمد تجاه تلك القوى، أو أن تل أبيب مستعدة لتحمل كلفة مواجهة واسعة من أجلها.
"الحرس الوطني" وحدود الرهان الإسرائيلي
على الرغم من الحديث عن احتمال حصول مجموعات «الحرس الوطني» على دعم إسرائيلي، يستبعد محللون أن يكون التشكيل قادراً، بمفرده، على إحداث تغيير حاسم في موازين القوى جنوب سورية، حتى مع افتراض وجود دعم جوي أو لوجستي من إسرائيل.
ويعزو هؤلاء ذلك إلى طبيعة التشكيل، الذي يضم فصائل وأفراداً تتباين خلفياتهم وأهدافهم، ما قد يحد من قدرتهم على العمل ضمن قيادة موحدة ومشروع عسكري متماسك. كما أن امتلاك بعض المجموعات أسلحة أو الحصول على إسناد خارجي لا يضمن قدرتها على السيطرة على مناطق جديدة أو الاحتفاظ بها في مواجهة القوات الحكومية.
ويحذر محللون من المبالغة في تقدير طبيعة العلاقة بين إسرائيل وهذه القوى، مشيرين إلى أن الدعم المحتمل قد يرتبط بحسابات ظرفية ومصالح أمنية محددة، لا بتحالف استراتيجي يضمن استمرار المساندة في جميع الظروف.
وتستحضر هذه المقاربة تجربة «جيش لبنان الجنوبي»، المعروف أيضاً بجيش لحد، الذي اعتمد على الدعم الإسرائيلي قبل انهياره عقب انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000. ويرى أصحاب هذه القراءة أن التجربة تقدم مثالاً على المخاطر التي تواجهها الجماعات المحلية عندما تربط مستقبلها برعاية قوة خارجية، من دون ضمانات لاستمرار تلك الرعاية إذا تغيرت أولوياتها.
ولا ينفي ذلك احتمال وجود قنوات دعم أو تنسيق بين إسرائيل وبعض المجموعات في السويداء، لكنه يطرح تساؤلات بشأن مدى استعداد تل أبيب لتوسيع هذا الدور، أو المخاطرة بمواجهة مباشرة مع القوات الحكومية السورية من أجل تحقيق أهداف تلك المجموعات.
تفاهم أمني أم توسيع لنفوذ إسرائيل؟
في سياق متصل، ربط برّاك المنطقة الممتدة من السويداء إلى درعا بتجارة الكبتاغون، مشيراً إلى أن عائداتها تتيح لبعض الدروز تمويل تسليح أنفسهم. لكنه لم يؤكد التقارير المتعلقة بتسليح إسرائيل مجموعات درزية في السويداء، ووصفها بأنها غير مؤكدة، مع الإشارة إلى إمكان نقل الأسلحة عبر الحدود.
وتعكس هذه التصريحات حساسية الملف، إذ تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية ومصالح القوى المحلية مع حسابات إقليمية أوسع، تشمل مستقبل الحكومة السورية، وموقف إسرائيل من استقرارها، والجهود الأميركية الرامية إلى منع عودة الفوضى الأمنية ونشاط تنظيم «داعش» والمجموعات المرتبطة بإيران.
ويرى مراقبون أن واشنطن تراهن على التوصل إلى تفاهم أمني بين دمشق وتل أبيب يحد من احتمالات التصعيد، في حين تسعى إسرائيل إلى ضمان ألا يؤدي أي اتفاق إلى تقييد قدرتها على التحرك داخل سورية أو تقليص نفوذها الأمني في المناطق القريبة من الجولان المحتل.
ويضع هذا التباين الجنوب السوري أمام معادلة معقدة: فالتوصل إلى تفاهم يتطلب ترتيبات واضحة بشأن الانتشار العسكري والسيطرة الأمنية ومستقبل المجموعات المسلحة، بينما قد تؤدي التوغلات الإسرائيلية والتحركات المحلية إلى تقويض الثقة وتعقيد المفاوضات قبل انطلاقها.
وفي ظل غياب تأكيدات مستقلة بشأن التحركات العسكرية المحتملة لـ«الحرس الوطني» وطبيعة الدعم الإسرائيلي المزعوم، تبقى السويداء ساحة اختبار للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب في سورية. فإما أن تنجح الجهود الأميركية في دفع الطرفين نحو تفاهم أمني يحد من التصعيد، أو أن تتقدم الوقائع الميدانية على المسار التفاوضي، بما يفتح الباب أمام جولة جديدة من التوتر في الجنوب السوري.
